درجات الغضب واعتبارها في وقوع الطلاق

❓ درجات الغضب واعتبارها في وقوع الطلاق

📅 2026-06-15 👁 47 مشاهدة

نص السؤال:

أود من حضرتكم التكرم بالإفتاء في المسألة التالية الَّتي وقعت بيني وبين زوجتي، ووفقًا للتالي:
قلت لزوجتي: أنت طالق. في حادثة شجار وقعت عام ٢٠٠٤م متعلقة بشجار بسبب مشكلات في علاقتي بها، وكانت المشكلة متعلقة بالعلاقة الجنسيَّة فيما بيننا، وكنت في حالة غضب شديد جدًّا، وتصالحت معها بعد ٣ ساعات على الواقعة.
في مرَّة أخرى تلفظت بالطلاق في حالة غضب شديد جدًّا أيضًا، وتصالحنا بعد ساعة واحدة.
الطلقة الثالثة وقعت في حالة غضب عادي بحضور شاهد، وكانت الزوجة حائضًا، بدأت دورتها الشهريَّة قبل يومين من الحادثة، وبعد أن تلفظت بالطلاق ندمت جدًّا واعتذرت لها قبل انتهاء فترة حيضها، وانتهت فترة الحيض بعد ٦ أيام من اعتذاري لها.
علمًا أنَّني وزوجتي راغبان في الاستمرار بعلاقتنا الزوجيَّة، وأنَّنا نحبُّ بعضنا البعض كثيرًا ولنا ثلاث بنات، ولكنَّنا متخوفون من الحكم الشرعي في هذه الطلقات.
نرجو منكم الإفادة حول:
هل يحرم علينا العيش مع بعضنا البعض من الآن وصاعدًا؟
هل نحتاج إلى عقد نكاح جديد أو مهر جديد في حال استمرار العلاقة بيننا؟
نرجو من فضيلتكم الإفادة، جزاكم الله خيرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الطلاق بلاءٌ مبين، وشرٌّ مستطير، يهدم بنيان الأسرة، ويقطع أواصرها، وما فرح الشيطان بشيء ممَّا يصيب المسلم فرحه بطلاق الرجل زوجته، وهدم بيت الزوجيَّة.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ الطلاق إذا لم يكن منشؤه البغض، فسيكون منشؤه الغضب، ودافعه الاختلاف والشجار، فلم نسمع أنَّ رجلًا طلَّق امرأته بسبب قضيَّة هما متوافقان فيها، ولا أنهى آخر علاقة الزوجيَّة وهو مبتسم ضاحك، وإنَّما يحدث ذلك وقت الغضب والضيق.
وقد قسم العلماء الغضب إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يحصل له مبادئ الغضب؛ بحيث لا يتغير عقله، ويعلم ما يقول ويقصده، وهذا يقع طلاقه، ولا خلاف في ذلك.
والثاني: أن يبلغ الغضب منه مبلغه، فلا يدري الغاضب ما يقول، وربَّما لا يعني ما يتلفظ به، أو ربَّما تحدث بما لا يريد، بحيث يصير كالمجنون أو الهاذي، وهذا لا ينفذ شيء من أقواله كما بيَّن العلماء.
والثالث: من توسط بين المرتبتين؛ بحيث أنَّه يدري ما يقول ويعلمه، ولكنَّه لا يستطيع أن يتحكم في أعصابه، فهذا اختلف الفقهاء في حكمه، وفقًا لاتجاهاتهم في التوسيع أو التضييق في إيقاع الطلاق، فابن عابدين من الحنفية ـ وهو مذهب كثير من علماء جنوب إفريقيا ـ يرى أنَّ الغضبان الَّذي يخرجه غضبه عن طبيعته وعادته، بحيث يغلب الهذيان على أقواله وأفعاله، فإنَّ طلاقه لا يقع، وإن كان يعلم ما يقول ويقصده؛ لأنَّه يكون في حالة يتغير فيها إدراكه، فلا يكون قصده مبنيًّا على إدراك صحيح، فيكون كالمجنون. وهو رأي ابن القيِّم من الحنابلة(1)، وهو ما أُفتي به لقوة أدلته، وقامت عليه كتبي في الفتوى.
والأصل في ذلك: أنَّ الشرع لا يعتمد الأعمال والتصرُّفات الواقعة من الإنسان، إلّا إذا كانت واقعة بإرادة واضحة ونية صحيحة، كما جاء في الحديث الصحيح المشهور: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى»(2). ولهذا رُفع الإثم عمَّا وقع من المكلَّف تحت تأثير النسيان أو الخطأ أو الإكراه، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله وضع عن أُمَّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه»(3). وذكر القرآن من الأدعية الَّتي علَّمها الله 8 للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وثبت في الصحيح: أنَّ الله تعالى أخبر رسوله ! : أنَّه قد استجاب هذا الدعاء(4).
وحالة الغضب أشبه بحالة الخطأ والنسيان والإكراه، ولا سيَّما إذا اشتدَّ الغضب بصاحبه، فأصبح يتكلَّم بما لم يكن يريد، ويتصرَّف بما لم يكن يقصد. ففي هذه الحال يتصرَّف كالمجنون، أو كالسبع. والمجنون قد رُفع عنه قلم التكليف، والسبع لا يتوجَّه إليه تكليف أصلًا.
فإذا كان الأمر أنَّ السائل كان متوتر الأعصاب، وشديد الغضب والانفعال، وفقد السيطرة على نفسه، وصل إلى حالة من الغضب لا يتحكَّم في أثنائها في تصرفاته، بحيث يخرج لفظ الطلاق من فمه فجأة، دون أن يكون قد فكَّر فيه، أو وجَّه إليه نيَّته وإرادته. فهذا غضب شديد لا يقع به الطلاق؛ لأنَّ هذه هي حالة الإغلاق الَّتي جاءت في الحديث الشريف: «لا طلاقَ في إغلاق»(5). على تفسير بعض العلماء للإغلاق، وهو أن يشتد التوتر بالإنسان فيطلِّق امرأته.
وضابط ذلك أنَّه بعد أن يُفيق ويهدأ يندم على طلاقها، ويقول لنفسه: لماذا فعلتُ هذا؟ ما كان يفكِّر في طلاق امرأته، ولم يخطِّط لذلك، ولم يُرتِّب أن يطلقها، إنَّما بعد الشجار هاج وماج، فصدر منه هذا الطلاق.
فالذي أراه ـ إن كان ما وصف السائل في الحالات الثلاث صحيحًا ـ أنَّ الطلاق في الحالتين الأوليين لم يقع، أمَّا في الحالة الثالثة فلم يصل الزوج إلى حالة من الغضب يكون فيها غير متحكم في أفعاله وأقواله، لكنَّه طلاق بدعي، جمهور العلماء ـ ومنهم المذاهب الأربعة ـ يقولون بوقوعه، وإن كان حرامًا، ويستحبُّون للزوج أن يراجع زوجته بعد ذلك، وبعضهم يوجب عليه أن يراجعها كما هو مذهب مالك ورواية عن أحمد، لحديث ابن عمر في الصحيحين: أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي أن يراجعها(6). وظاهر الأمر الوجوب.
وقال بعض العلماء، منهم: ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيِّم: لا يقع، لأنَّه طلاق لم يشرعه الله تعالى، ولا أذن فيه، فليس من شرعه، فكيف يقال بنفوذه وصحته؟ وقد جاء في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»(7). وهو ما أرجِّحه، وأفتي به، منذ سنين.
← العودة لقسم 3- الطلاق