الزيادة في الخلع على ما أعطى الزوج للمرأة

❓ الزيادة في الخلع على ما أعطى الزوج للمرأة

📅 2026-06-15 👁 41 مشاهدة

نص السؤال:

تمَّت خطبة ابنتي، وبناءً على رغبة الخاطب: تمَّ عمل عقد شرعي ـ عرفي ـ حتَّى يتيسر له الجلوس إليها دونما حرج خلال فترة الخطبة، للتعارف وحتَّى يطمئن كل منهما لصاحبه؛ على أن يتم عمل العقد النهائي الموثق قبيل الزفاف، أو مع الزفاف.
ثم حدث خلاف أدى إلى نفور ابنتي، وكرهت إتمام الزواج، ورغبت في مخالعة زوجها مقابل ردِّ ما دفعه لها، ووكلتني بإنجاز الخلع. فبعثت إليه رسالة بطلب الخلع، وأرفقت بها شيكًا بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه، وهو نفس المبلغ الَّذي سبق أن قدَّمه لابنتي. لكن الزوج كتب إليّ رسالة طلب فيها «مائة ألف جنيه» كافتداء من ابنتي لنفسها! فرجوت أحد العلماء الفضلاء بالتوسط لدى الزوج، ولكنَّ الزوج أصرَّ على طلب المائة ألف جنيه، رغم محاورة الوسيط له، فعرضت عليه التحكيم. وتم اجتماع الحكمين: حكم من أهله، وحكم من أهلها؛ لكنَّهما لم يتَّفقا على رأيٍ واحد.
حيث عرض الحكم من قبل الزوجة الافتداء بما قدم ومثله معه ـ أي ضعف المبلغ: ستة آلاف جنيه ـ وكان ذلك محاولة منه لحسم الخلاف؛ برغم اقتناعه بعدم جواز الزيادة عمَّا قدم الزوج، كما أصرَّ الحكم من قبل الزوج على أن يكون الافتداء بعشرين ألف جنيه. ووقف الأمر عند هذا الحد. وقد مضى الآن على طلب الزوجة للخلع حوالي ستة أشهر.
فماذا ترون حلًّا لهذا الإشكال الَّذي يتمثَّل في تعنت الزوج وتعسفه في استعمال حقِّه في إقرار الخلع، مع العلم أنَّ القاعدة في مثل هذه العقود العرفية: ألا تسمع فيها الدعوى أمام القضاء لعدم توثيقها.
وحاليًّا يتقدَّم عدد من الخطَّاب لابنتي، ولا ندري ماذا نصنع وهي الآن كالمعلقة.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يريد الإسلام للحياة الزوجيَّة أن تبقى وتدوم ما بقيت دعائمها الأساسيَّة قائمة، وهي السكون والمودة والرحمة، فإن فقدت فلا معنى لفرض الصحبة بالإكراه.
ولهذا أُعطي للرجل حق إنهاء الحياة الزوجيَّة بالطلاق، وأعطي في مقابله للمرأة حق إنهائها بالخلع، وذلك عند تعذر الوفاق في كلا الحالين. وفي هذا قيل: إن لم يكن وفاق ففراق.
وهنا يؤكد القرآن أن يكون الفراق بالمعروف، إذا لم تمكن المعاشرة بالمعروف. ويحذِّر من المضارَّة والعضل، الَّذي ينافي أخلاقية الإنسان المسلم، والَّذي قد يدفع إليه الغضب وحب الانتقام، أو حب المال. يقول تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًۭا لِّتَعْتَدُوا۟﴾ [البقرة: 231]، ويقول: ﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] ويقول: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19].
وقد ثبتت مشروعية الخلع بالقرآن والسُّنَّة والإجماع.
فأما القرآن فقد قال تعالى في سورة البقرة:﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ[البقرة: 229].
وأمَّا السُّنَّة فقد جاء فيها عدة أحاديث صحاح في قضيَّة امرأة ثابت بن قيس وغيرها. فقد قالت: يا رسول الله، ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام ـ تقصد كفر العشير ـ فقال رسول الله : «أتردِّين عليه حديقته؟» ـ وكان قد أعطاها لها صداقًا ـ قالت: نعم. قال: «اقبَلِ الحديقة، وطلِّقها تطليقة»(1).
وأمَّا الإجماع فقد اتفقت المذاهب جميعها، والفقهاء كلهم على مشروعية الخلع.
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (229) من سورة البقرة: «إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته، ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 229]»(2).
فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه؛ فقد ذكر ابن كثير هنا الحديث الَّذي رواه ابن جرير والترمذي وأبو داود عن ثوبان مرفوعًا: «أيُّما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة»(3).
قال ابن كثير: «ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنَّه لا يجوز الخلع إلّا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذٍ قبول الفدية... فلا يجوز في غيرها إلّا بدليل، والأصل عدمه»(4).
لهذا كان طلب الزوجة في القضية المعروضة مخالعتها من زوجها طلبًا لحق شرعي ثابت لها بيقين، وكانت استجابة الزوج بالموافقة على مبدأ الخلع استجابة لما يوجبه الشرع في هذه الحالة.
بقي البحث فيما طلبه الزوج من مبلغ ضخم يدفعه له ولي الزوجة يزيد عما دفعه من مهر بأكثر من ثلاثين ضعفًا، حيث دفع ثلاثة آلاف (3000) جنيه وهو يطلب مائة ألف (000 100) جنيه ومدى شرعية هذا الطلب. وقد نزل به الحكم الَّذي يمثله إلى عشرين ألفًا (000 20) جنيه.
والذي يتتبع النصوص الواردة في القرآن والسُّنَّة، ويتتبع أقوال الفقهاء والشراح في فهمها والاستنباط منها، يتبيَّن له ما يلي:
1 ـ أنَّ الراجح، بل الصحيح الَّذي تدل عليه النصوص: أنَّه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها.
فالقرآن الكريم يربط الافتداء بما آتاه الزوج، لا بأكثر منه حيث يقول:﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ[البقرة: 229]، أي فيما افتدت به ممَّا آتيتموهن.
بل نرى القرآن نهى عن «العضل» الَّذي عرف في الجاهلية، وهو إمساك المرأة ضرارًا؛ لتفدي نفسها ببعض ما أخذت من زوجها، يقول تعالى:﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ[النساء: 19].
وورد في السنة ما رواه ابن ماجه والبيهقي، أنَّه أمر ثابت بن قيس أن يأخذ من زوجته الكارهة حديقته ـ الَّتي دفعها إليها مهرًا ـ ولا يزداد(5).
وفي حديث رواه الدارقطني بإسناد صحيح: أنَّ النبيَّ قال لها: «أتردين عليه حديقته الَّتي أعطاك؟» قالت: نعم وزيادة. فقال النبي : «أمَّا الزيادة فلا، ولكن حديقته». قالت: نعم. فأخذها له وخلَّى سبيلها(6).
وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن عليّ؛ أنَّه قال: «لا يأخذ منها فوق ما أعطاها»(7).
وعن طاوس وعطاء(8) والزهري مثله(9). وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق(10).
وعن ميمون بن مهران: من أخذ أكثر ممَّا أعطى لم يُسرِّح بإحسان(11).
بل قال سعيد بن المسيب: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئًا(12).
وأجاز مالك للرجل أن يأخذ أكثر ممَّا أعطى قال: لكنَّه ليس من مكارم الأخلاق(13). وقد نسب هذا القول إلى الجمهور، وهي نسبة تحتاج إلى تحقيق. على أنَّ العبرة بالدليل، ولا دليل على الجواز، إلّا حديث ضعيف الإسناد، وليس فيه حجة، كما قال الشوكاني(14).
2 ـ على أنَّ الَّذين أجازوا الزيادة، إنَّما ذكروا ذلك فيما بذلته المرأة عن طيب نفس منها، لتخلِّص نفسها من سوء عشرة الزوج. ولهذا يدور البحث كله حول: هل يحل له أخذ الزيادة أم لا؟ أمَّا مطالبة المرأة بزيادة على ما أخذ، فهذا لم يذكروه قط، ولم يدر بخلد أحدهم، والأصل في أموال النَّاس الحُرمة، ولا يحل لأحد مال أحد إلّا بطيب نفس منه. فلا يكون الضغط على المرأة والضِّرار لها، لتفتدي نفسها بأكثر ممَّا أخذت إلّا لونًا من العضل والظلم، الَّذي يحرِّمه الإسلام، وقد فاق عضل الجاهلية، لأنَّهم كانوا يعضلون النساء ليذهبوا ببعض ما آتوهن، وهؤلاء لم يكفهم كل ما آتوهن، فأرادوا الزيادة عليه!
3 ـ ثم إنَّ العوض الَّذي يطلبه الزوج لافتداء المرأة، إنَّما يُطلب منها هي؛ لا من أب ولا ولي، ولهذا قال القرآن: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ[البقرة: 229]. فهي الَّتي تفتدي نفسها من مالها الَّذي في يدها، والنبي قال لامرأة ثابت: «أتردين عليه حديقته؟» فالمرأة هي صاحبة الشأن، ولا يجوز بحال أن يطلب الزوج من وليها أن يدفع له من ماله، ويعتبر ذلك حقًّا له، إلّا أن يتبرع متبرع إن شاء.
4 ـ على أنَّ مفهوم الزيادة ـ لو افترضنا مبدأ قبولها لغة وعرفًا ـ إنَّما يعني إضافة شيء إلى الأصل لا يبلغ مثله في الغالب، فالمرء قد يعطي الثمن ويزيد البائع، ويرد القرض ويزيد المقرض، ولا يفهم من ذلك إلّا إعطاء شيء لا يبلغ مثل الأصل. أمَّا إعطاء مثل الأصل أضعافًا مضاعفة، فلا يدخل فيما نرى في مدلول كلمة «الزيادة» عند أحد ممَّن يفهم اللغة ويتذوقها.
ومن هنا نقول: إنَّ طلب الزوج لما طلب في هذه القضية (100.000) جنيه ونزول حكمه به إلى (20.000) جنيه كله مرفوض شرعًا، وهو لون من الضرار المحرَّم؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
والواجب شرعًا أن يجبر الزوج على قبول ما دفع، فإن تبرع الولي بزيادة كما هو مقترح الحكم الَّذي يمثله في قضيتنا، وهي زيادة تصل إلى ضعف ما دفع من مهر، فلا مانع من قبول ما تبرع به إن طابت به نفسه.
وإذا لم يكن هناك قاضٍ يجبر الزوج المتعسِّف في استعمال حقه، في هذه القضية ـ نظرًا لعدم وجود عقد موثق معترف به لدى السلطات الشرعيَّة ـ فالواجب أن يُعقد مجلس أو لجنة من أهل العلم والدين، الَّذين يوثق بفقههم ودينهم، ويفصلوا في هذا الأمر، بحل عقدة الزواج، وخلع المرأة من هذا الزوج المضار، وإعطائه ما دفع زائدًا ما تبرع به الولي طيب النفس، ويكون حكمهم هذا بمثابة حكم المحكمة الرسمية؛ إذ لا يتصور أن تقف الشريعة سلبية عاجزة في مثل هذه القضية. وما دام الزواج عرفيًّا، فليكن القضاء فيه عرفيًّا مثله.
وبهذا الحكم تصبح الزوجة حرة؛ إذ لا عدَّة عليها؛ لأنَّه لم يدخل بها، ويتقدم لها من الخطاب من شاء.
والله وليُّ التوفيق.
← العودة لقسم 3- الطلاق