2026-06-18
89
خطف الطائرات وترويع الآمنين
لا شك أنَّكم عايشتم مثلنا محنة الطائرة الكويتية المخطوفة، وما عاناه ركابها الأبرياء من النساء والشيوخ والشباب، طوال ستة عشر يومًا عاشوها مروعين مفزوعين، مقرونين بمقاعدهم، لا يستطيعون حراكًا ولا يعرفون لهم مصيرًا، بل يتوقعون في أي لحظة أن يفقد هؤلاء القراصنة الخاطفون عقولهم أو أعصابهم، فيفجروا الطائرة بمن فيها، أو يطلقوا الرصاص على من شاؤوا من ركابها، وقد قتلوا بالفعل راكبين شرَّ قتلة وألقوا بجثتيهما من أعلى الطائرة، دون رعاية لحرمة الميت، وكرامة الإنسان، وحق المسلم.
والمصيبة أنَّ الَّذين فعلوا ذلك يتمسَّحون باسم الإسلام، ويدعون أنَّهم بهذا يخدمونه، ويعملون من أجله، وكانوا يسألون عن مواقيت الصلاة والصيام، ويُسمُّون طائرتهم: «طائرة الشهادة»، وينظرون إلى أنفسهم على أنَّهم مجاهدون وشهداء.
وسؤالنا: ما موقف الإسلام من هذه القرصنة الجوية، الَّتي يعاقب فيها الأبرياء بذنوب ارتكبها غيرهم، لو افترضنا فعلًا أنَّ هناك ذنوبًا، وأنَّ أغراضهم شريفة، وبواعثهم دينية أو وطنية؟!
إنَّنا نعلم أنَّكم عقَّبتم على هذا العمل بالإنكار الشديد أكثر من مرة، ولكنَّا نريد توضيح حكم الشرع بأدلته من كتاب الله العزيز، وسُنَّة نبيِّه المشرفة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.
وفَّقكم الله وأنار بكم الطريق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا شكَّ أنِّي عايشت محنة الطائرة المخطوفة بقلبي وأعصابي، وكذلك الملايين غيري من بني البشر، ممَّن لم تقسُ قلوبهم، فتغدو ﴿كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ﴾[البقرة: 74]، كما وصف الله قلوب بني إسرائيل قديمًا.
وقد أنكرت هذا العمل في حينه في خطبة مذاعة بالتليفزيون من الدوحة، كما أنكرت أعمالًا مماثلة من عدَّة سنوات من خلال برنامج «هدي الإسلام» الَّذِي يبث من تليفزيون قطر، وكان المخطوفون حينذاك من غير العرب، وغير المسلمين، ولكنَّ العدوان على الإنسان البريء إثم وجرم، أيًّا كان دين المُعتدَى عليه، ووطنه وقومه، وأيًّا كان المعتدِي، فإنَّ الله لا يحبُّ المعتدين.
والإسلام لا يكيل بكيلين؛ كما فعلت اليهودية المحرَّفة، الَّتي تُحرِّم في معاملة اليهودي ما تحلُّه في معاملة الآخرين.
مبادئ أساسية إسلاميَّة:
وأحبُّ أن أوضح أمام السائل هنا جملة مبادئ مستمدة من القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة.
المبدأ الأول: تحريم الاعتداء على البرآء:
إنَّ الإسلام لا يبيح الاعتداء على إنسان بريء، بحال من الأحوال، ومن أيِّ شخص كان، سواء كان الاعتداء على النفس أو العرض أو المال، ولو كان المعتدي هو الأمير أو الخليفة المبايَع؛ فإمارته لا تحل له دماء النَّاس ولا أموالهم، ولا أبشارهم ولا حرماتهم. وقد أعلن النبي ﷺ في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد: أنَّ دماء النَّاس وأموالهم وأعراضهم حرام عليهم؛ بعضهم على بعض، دائمة الحرمة إلى يوم القيامة(1).
وليس هذا التحريم مقصورًا على المسلمين؛ بل يشملهم ويشمل غيرهم ممَّن ليسوا من أهل الحرب لهم.
حتى في حال الحرب والقتال، لم يُجز الإسلام قتل من لا يقاتل، من النساء والصبيان والشيوخ، حتَّى الرهبان المتفرِّغون للعبادة في صوامعهم لا يُقتلون، بل يُتركون وما فرغوا أنفسهم له(2).
وهذا ما جعل المؤرخين المنصفين من الغربيين يقولون: ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب، يعني المسلمين.
وأكثر من ذلك أنَّ الإسلام يحرِّم الاعتداء على الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان المكرَّم؟
وفي الصحيح، عن النبيِّ ﷺ أنَّ امرأةً دخلت النَّارَ في هِرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكلُ من خَشَاشِ الأرض(3).
فكيف بمن حبس البشر وروَّعهم، وجعلهم يصبحون ويمسون في قلق مفزع، وفي فزع مقلق؟!
وفي الحديث الَّذِي رواه النُّعْمان بن بَشِير قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في مسير ـ أي سفر ـ فخفق رجل على راحلته: أي أصابته سِنة من النوم؛ فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبه الرجل، ففزع ـ أي أحسَّ بمن يأخذ السهم من كنانته فانتبه فزعًا مرتاعًا ـ فقال رسول الله ﷺ : «لا يحلُّ لرجلٍ أن يُروِّع مسلمًا»(4). وروى نحوه ابن أبي ليلى عن عددٍ من أصحاب النبي ﷺ (5). أي أنَّ هذا الترويع حرام، ولو في هذه الصورة البسيطة القريبة، ولو كان دافعه المزاح والمداعبة، ما دام عاقبته الترويع والتفزيع.
فكيف بمن عاشوا أيامًا طالت أكثر من أسبوعين، كل ساعة فيها طولها شهر، وكل ليلة طولها دهر، يتوقعون في كل لحظة أن ينفِّذ الخاطفون وعيدهم بقتل واحد أو أكثر، ليتخذوا من قتله أو قتلهم وسيلةً للضغط على من يملكون القرار بعيدًا بعيدًا. وقد يجنُّ جنونهم وهو ليس بمستبعد، فيفجِّرون الطائرة بمن فيها؟
كيف بمن عاشوا هذه المدة، وهم لا يستريحون في نومهم إذا ناموا، ولا في جلوسهم إذا جلسوا، وليست لهم حرية الحركة الَّتي للمسجون داخل السجن؟
المبدأ الثاني: ألَّا تزر وازرة وزر أخرى:
إنَّ كل إنسان مسؤول عن عمله هو، وليس عن عمل غيره، ولا يحمل أحد وزر أحد؛ ولو كان ألصق النَّاس به وأقربهم إليه، فالابن لا يعاقب على جرم أبيه، والأب لا يعاقب على جرم بنيه، وهذا هو الحق والعدل، الَّذِي قرَّره القرآن في آيات كثيرة، وحكاه عن الكتب السماوية قبله:﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦ وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ ٣٧ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾[النجم: 36 ـ 38].
ولهذا يعجب المرء كلَّ العجب من نفر يدَّعون الإسلام، ويحملون شارته، ويتحدَّثون باسمه، ويزعمون أنَّهم طلاب شهادة، ثمَّ ينتقمون من أناس عاديِّين، لا ناقة لهم فيما يطلبونه ولا جمل.
وكيف يتصوَّر أن يجوز لشخص أو بضعة أشخاص، أن يُسلطوا على شعب بلدٍ ما للانتقام من أفراده، من أجل خلافهم مع حاكم هذا البلد؟
لنفترض أنَّ الحاكم مخطئ أو مجرم، فما ذنبي أنا المواطن العادي؛ لتعاقبني بخطئه أو جرمه؟!
ومن الَّذِي جعل منك أيها الخاطف خصمًا وحكمًا؟ ومن أعطاك سلطات الاتهام والقضاء والتنفيذ جميعًا؟!
وقد يكون حكمك عليَّ بالموت، بالإعدام! وهذا ما فعله الخاطفون مع بعض الركَّاب؛ حيث باشروا بالفعل، وقتلوا اثنين منهم وألقوا بجثة كلِّ منهما من أعلى الطائرة فتسقط مهشمة، دون اعتبار لأيِّ حرمةٍ إنسانيَّة، ومن المعروف أنَّ الإسلام يرعى حرمة الإنسان بعد وفاته، كما رعى كرامته في حال الحياة. وقال ﷺ : «كسرُ عَظْمِ الميِّت ككسرِ عظمِ الحيِّ»(6).
إنَّ القتل جريمة بشعة، ولهذا شدَّد الإسلام فيها أعظم التشديد، وجاء فيها من الوعيد ما لا يخفى، وذهب من ذهب من العلماء إلى أنَّ القاتل لا تُقبل له توبة!
وقرَّر القرآن:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32].
وفي الحديث: «لزوالُ الدنيا أهونُ عند اللهِ من قتل رجلٍ مسلم»(7).
وفي الحديث الآخر: «لو أنَّ أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في قتل رجلٍ مؤمنٍ، لأكبَّهم الله في النَّار»(8). بل جعل النبيُّ ﷺ مجرَّد الإشارة إلى مسلم بالسلاح جريمة من الكبائر الموجبة للَّعنة، يقول: «من أشار إلى أخيه بحديدة، فإنَّ الملائكة تلعنه حتَّى ينتهي»(9).
ويقول: «لا يشيرُ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري لعلَّ الشيطانَ يَنْزِع في يده، فيقع في حُفْرة من النَّار»(10). ومعنى «ينزع»: أي يرمي ويفسد.
فإذا كان الإسلام يحذِّر من مجرَّد الإشارة بالسلاح، فكيف إذا استُعمل بالفعل، وقُتل به إنسان لا حول له ولا طول، ولم يرتكب ما يبيح دمه؟
المبدأ الثالث: الغاية لا تبرِّر الوسيلة:
إنَّ الإسلام لا يقبل الوصول إلى الغايات الطيِّبة بالوسائل الخبيثة، إنَّه يرفض الفلسفة «الميكافيليَّة» الَّتي ترى أنَّ الغاية تبرر الوسيلة؛ بل يؤكِّد كلَّ التأكيد: أنَّه لا بدَّ من اجتماع الأمرين: الغاية الشريفة، والوسيلة النظيفة، ولهذا رفض جَمْعَ المال من طرق الحرام لينفق في الخيرات وأوجه الصدقات، وقال الرسول الكريم في ذلك: «إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا»(11)، وقال ! : «لا يقبل اللهُ صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلُول»(12).
والغلول ما يُؤخذ من مال الغنيمة خفية وخيانة، دون سائر المستحقين، فإذا أخذه ليتصدَّق به؛ فإنَّ الله يرده عليه، ولا يقبل منه.
ولهذا فسَّر السلف الصالح العمل المقبول بأنَّه ما اجتمع فيه أمران: الخلوص والصواب، فلا يقبل العمل عند الله إلَّا إذا كان خالصًا صوابًا. وخلوصه أن يكون لله تعالى، وصوابه أن يكون على السُّنَّة، أي على ما شرعه المنهج النبوي، الَّذِي يمثل الصراط المستقيم.
فلو افترضنا أنَّ هؤلاء يحملون دوافع خيِّرة، وبواعث نبيلة، كما دافع عنهم من دافع؛ بأنَّهم يهدفون إلى إنقاذ إخوان لهم يعتقدون براءتهم، أقول: لو افترضنا صحَّة هذه الدعوى ـ على ما فيها من شطط وتجاوز ـ ما جاز لهم بحال أن يصلوا إلى غاياتهم الَّتي يزعمون شرفها ونبلها ورفعتها؛ بهذه الوسائل القذرة، الَّتي تقوم على الاستهانة بالبشر، وتعذيبهم وإرهابهم وترويعهم، إلى حدِّ سفك الدم بغير حق.
ويزيد من ضخامة الجرم لدى هؤلاء أنَّهم يتمسَّحون بالإسلام، ويدَّعون الانتساب إليه، والغيرة عليه، فكل ما تقترفه أيديهم من جرائم يلصق بالإسلام المظلوم، ويشوَّه بها وجهه بالباطل.
والإسلام بكتابه وسُنَّة نبيِّه، وهدي أصحابه، وفقه أئمته، وروح حضارته، والاتجاه العام لأمته، ينكر كل الإنكار هذا العمل الَّذِي يتَّسم بالقساوة والوحشية، ويفتقد الإنسانيَّة والأخلاقية.
إنَّ هذا الشباب قد يكون مخلصًا، ولكنَّه ضلَّ الطريق الصحيح. فاستحلَّ قتل البرآء، وترويع الآمنين، وهو يرى أنَّه يخدم الإسلام، ويتقرب إلى الله.
وهذا يضاعف المسؤولية على أهل العلم والبصيرة: أن يبذلوا المزيد من الجهد، حتَّى ينيروا الطريق للحائرين.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
(1) إشارة إلى الحديث المتفق عليه: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». رواه البخاري في الحج (1739)، ومسلم في القسامة (1679).
(2) كما في وصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان ^ . رواه مالك في الجهاد (1627) تحقيق الأعظمي. وأيضًا وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد ^ . انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (2/196)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1417هـ ـ 1997م.
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المساقاة (2365)، ومسلم في السلام (2242)، عن ابن عمر.
(4) سبق تخريجه صـ 385.
(5) سبق تخريجه صـ 385.
(6) سبق تخريجه صـ 480.
(7) رواه الترمذي في الديات (1395)، مرفوعًا وموقوفًا ورجَّح الموقوف، والنسائي في تحريم الدم (3987)، وصحَّحه السيوطي في الصغير (7236) والألباني في غاية المرام (439)، عن عبد الله بن عمرو.
(8) رواه الترمذي في الديات (1398) وقال: حديث غريب. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2442): صحيح لغيره. عن أبي سعيد وأبي هريرة.
(9) رواه مسلم في البر والصلة (2616)، وأحمد (7476)، عن أبي هريرة.
(10) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الفتن (7072)، ومسلم في البر والصلة (2617)، عن أبي هريرة.
(11) رواه مسلم في الزكاة (1015)، وأحمد (8348)، عن أبي هريرة.
(12) رواه مسلم في الطهارة (224)، وأحمد (4700)، عن ابن عمر.