2026-06-18
109
تحريم الخمر من قطعيات الدين
قرأت في إحدى الصحف الكويتية مقالًا لكاتب يهاجم فيه قانون تحريم الخمر، الَّذِي نعدُّه مفخرة لحكومة الكويت وبرلمانها. ويقول الكاتب: إنَّ الله نهى في كتابه عن الخمر، ولكنَّه لم يحرِّمها، والعجيب أنَّ أحد الحاضرين أيَّد هذا الكلام، وطالبني بنصٍّ صريحٍ من القرآن يقول: إنَّ الخمر حرام، فلمَّا لم يسعفني حفظي للقرآن ذكرت له بعض الأحاديث الَّتي فيها لعن الخمر وشاربها وعاصرها وحاملها، إلخ، فقال صاحبي: أنا أريد نصًّا من القرآن لا من الحديث. فهل صحيح أنَّ القرآن لم يحرِّم الخمر؟ وما حكم من يزعم ذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ من أعظم الفتن تحويل الأمور القاطعة إلى أمور محتملة، وجعل الأمور المجمع عليها أمورًا مختلفًا فيها، وهذا يصدق بوضوح على تحريم الخمر، الَّذِي أجمعت عليه الأمة الإسلاميَّة جيلًا بعد جيل، وأصبح معلومًا من دين الإسلام بالضرورة؛ بحيث لا يحتاج إلى مناقشة ولا دليل؛ كوجوب الصلاة والزكاة، وكحرمة الزِّنَى والرِّبَا.
ومن الخطر أن ننقاد غافلين للهدَّامين، الَّذين يريدون أن يجعلوا كل شيء في الدين ـ حتَّى الأصول والضروريات ـ محل بحث وجدال، وقيل وقال، وقد أجمع العلماء على أنَّ من أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، ولم يكن حديث عهد بالإسلام، ولا ناشئًا ببادية أو ببلد بعيد عن دار الإسلام: فإنَّه يكفر بذلك، ويمرق من الدين، وعلى الإمام أن يطلب منه التوبة والإقلاع عن ضلاله، وإلَّا طُبِّقت عليه أحكام المرتدين.
وأمَّا حديث العهد بالإسلام، والناشئ بالبادية ونحوها؛ فيعرَّف الحكم ويبيَّن له الصواب؛ فإن أصَرَّ على موقفه عُدَّ مرتدًا.
ومع وضوح حرمة الخمر، ومعرفتها من الدين بالضرورة كما ذكرت، أتطوَّع بالجواب فأقول:
حرمة الخمر ثابتة من عدَّة وجوه:
أولًا: من القرآن الكريم:
فقد قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾[المائدة: 90، 91].
ففي هاتين الآيتين تأكيد لتحريم الخمر بأكثر من وجه:
(أ) وذلك لأنَّه قرنها بالأنصاب ـ وهي الأصنام ـ والأزلام، وقد قال تعالى عن الأزلام: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلْأَزْلَٰمِ﴾ [المائدة: 3]. قال ابن عباس: لمَّا حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر وجعلت عدلًا ـ أي معادلة ـ للشرك(1). وإنَّما أخذوا هذا من اقترانها بالأنصاب، وجاء في الحديث: «مدمنُ الخمرِ إن مات لقي اللهَ كعابدِ وثنٍ»(2).
(ب) ثمَّ أخبر عن هذه الأشياء بأنَّها رجس، وهذا لفظ لم يطلق في القرآن إلَّا على الأوثان ولحم الخنزير؛ وهو يدل على التنفير والزجر الشديد.
(ج) ولم يكتفِ بذلك، فجعلها من «عمل الشيطان» وعمل الشيطان إنَّما هو الشرُّ والفحشاء والمنكر. قال تعالى:﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾[النور: 21].
(د) وعقَّب على ذلك بقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة: 90]، والأمر بالاجتناب هو العبارة الَّتي استخدمها القرآن في الزجر عن الأوثان وعبادتها فقال تعالى: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾[الحج: 30]، ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ﴾[النحل: 36]، ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾[الزمر: 17]. كما استخدمها في ترك كبائر الذنوب والآثام. مثل قوله تعالى:﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا﴾[النساء: 31]، ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾[النجم: 32].
(هـ) ثمَّ رتَّب على هذا الاجتناب الفلاح بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فدل على أنَّ هذا الاجتناب واجب مؤكد، فإنَّ تحصيل أسباب الفلاح واجب لازم.
(و) ثمَّ علَّل الأمر بالاجتناب؛ ببيان بعض مضار الخمر والميسر الاجتماعيَّة والدينيَّة؛ من تقطيع الأواصر، والصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ثمَّ ذيَّل الآية بقوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾. ولهذا حين سمعها المؤمنون قالوا: قد انتهينا يا رب، قد انتهينا يا رب!
فهاتان الآيتان كما نرى دالَّتان أبلغ الدلالة على تحريم الخمر، والزجر عنها، وإنَّما أُتي الَّذين ناقشوا في ذلك من جهلهم باللغة والشرع معًا، وزعمهم أنَّ التحريم لا يستفاد إلَّا من لفظ «حرم» و«يحرم» وهذا جهل مركب، فإنَّ التحريم ـ بإجماع العلماء ـ تدلُّ عليه ألفاظ كثيرة، مثل: لعن فاعله، أو تشبيهه بالشيطان، أو الإخبار بأنَّه رجس(3)... إلخ.
وما قول هؤلاء المجادلين في القتل والزنى والسرقة وأكل الربا وأكل مال اليتيم ونحوها ممَّا لا يجادلون هم ولا غيرهم في قطعية حرمته، ومع هذا لم يُنهَ عن شيء منها في القرآن بلفظ التحريم؟!
على أنَّنا نقول لهؤلاء المكابرين:
إنَّ القرآن الكريم نصَّ على تحريم الخمر بلفظ التحريم أيضًا، وذلك أنَّ الله تعالى قال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، فالإثم حرام بنصِّ الآية، ثمَّ قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. فإذا كان الإثم حرامًا وكان في الخمر إثمٌ كبيرٌ بنصِّ القرآن فهي حرام بلا شك.
ثانيًا: من السُّنَّة:
روى مسلم عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ مُسْكِرٍ خمر، وكلُّ مسكرٍ حرام»(4). وروى الشيخان عن أبي هُرَيْرة عن النبيِّ ﷺ قال: «لا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمن»(5).
وروى أحمد بإسناد صحيح، عن ابن عبَّاس أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إنَّ الله لعنَ الخمر، وعاصرها ومعتصرها، وشاربها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعَها، وساقيَها ومستقيَها»(6). والأحاديث في ذلك كثيرة موفورة.
ومن زعم أنَّه لا يقبل الاحتجاج بالسُّنَّة فقد كذَّب القرآن نفسه، الَّذِي صرح بأنَّ الرسول هو مبيِّن القرآن وشارحه قال تعالى:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل: 44].
ولو ردَّ النَّاس السُّنَّة اكتفاءً بالقرآن ما عرفوا صلاةً ولا زكاةً ولا حجًّا؛ فإنَّها كلها جاءت مُجملة في القرآن؛ وإنَّما بيَّنتها السُّنَّة.
وقد قال رجل لمُطَرِّف بن عبد الله أحد التابعين: لا تحدِّثونا إلَّا بالقرآن. فقال له مُطرف: والله ما نريد بالقرآنِ بدلًا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منَّا(7). يعني رسولَ الله ﷺ .
ومن هنا أمر القرآن بطاعة الرسول، والاحتكام إليه، مقارنًا للأمر بطاعة الله، قال تعالى:﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾[النساء: 80]، ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾[المائدة: 92]، ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾[الحشر: 7]، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء: 59].
ثالثًا: الإجماع:
هذا إلى أنَّ علماء الإسلام في سائر الأعصار قد أجمعوا على تحريم الخمر، إجماعًا مؤكدًا؛ لا شك فيه ولا جدال، حتَّى أصبح ذلك معلومًا من الدين بالضرورة، كما قلنا في مطلع حديثنا.
رابعًا: قواعد الشريعة الكليَّة:
على أنَّه لو لم يكن هناك نصٌّ ولا إجماع في المسألة؛ لكانت قواعد الشريعة العامَّة، ومبادئها الكليَّة كافية في الدلالة على تحريم الخمر، فإنَّ التحريم في الإسلام يتبع الخبث والضرر، فما تحقَّق ضرره بالفرد أو بالجماعة كان حرامًا، ولو لم يرد فيه نصٌّ بخصوصه.
وضرر الخمر على الفرد في دينه، وجسمه وعقله، ونفسه وماله؛ ممَّا لا ريب فيه، وكذلك ضررها على الأسرة في تماسكها وترابطها؛ حيث نرى السكيرين لا يقدرون مسؤوليتهم عن زوجاتهم وأولادهم، فيهملون رعايتهم وتربيتهم؛ بل النفقة عليهم، ومن وراء ذلك ضرر المجتمع كله؛ بانتشار العربدة، وفساد الأخلاق، وخراب البيوت، وضياع الأموال، وانتشار الأمراض؛ ممَّا يؤدي في النهاية إلى التفسخ والانحلال العام، فأيُّ إنسان له مسحة من عقل أو دين يبيح هذا الفساد العريض، الَّذِي تسبِّبه أم الخبائث ومفتاح الشر؟! وأعجب من ذلك أن تقرن هذه الإباحة أو الإباحية بشريعة الإسلام؟!
(1) رواه الطبراني (12/37)، والحاكم في الأشربة (4/144)، وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8079): رجاله رجال الصحيح. عن ابن عباس.
(2) رواه أحمد (2453)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وابن حبان في الأشربة (5347)، وصحَّحه الألباني الصحيحة (677)، عن ابن عباس.
(3) بدائع الفوائد (4/4 ـ 6).
(4) رواه مسلم في الأشربة (2003)، وأحمد (4645).
(5) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المظالم (2475)، ومسلم في الإيمان (57).
(6) رواه أحمد (2897)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. وابن حبان في الأشربة (5356)، والحاكم في البيوع (2/31)، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي.
(7) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2349).