الاستعداد للسفر إلى قطر

الاستعداد للسفر إلى قطر


📁 مقالات الإمام📅 2026-02-12 00:00:00👁 2,079 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

بعد أن وافقت الجهات الأمنية في مصر على سفري مُعَارًا إلى قطر، انزاحت العقبة الكأداء الَّتي كانت تقف في طريقي دائمًا. فقد وقفتْ في طريق تعييني في معاهد الأزهر من قبل، كما وقفت في سبيل تعييني خطيبًا بالأوقاف، ووقفت في سبيل سفري إلى قطر. والحمد لله على كل حال.

وقبل السفر بأيَّام ذهبت إلى القرية، لأزور الأقارب فيها، وأودعهم قبل هذا السفر، الَّذي قد يطول، ولأكسب دعاءهم لي، ولأكسب فضل صلة الرحم، وما لها من بركة في بسط الرزق، وإنساء الأثر.

استدعاء المباحث:

ومن المفاجآت الَّتي أزعجتني قبل السفر: استدعاء المباحث العامَّة لي في وزارة الداخليَّة، واستقبلني المسؤول بلطفٍ ونعومة. وقال لي: أريد أن تتعاون معنا من أجل مصلحة البلد. قلت له: كلُّنا جنود من أجل مصلحة الوطن، ولكنَّني معارٌ لعمل محدَّد هناك، وأنتم حذرتمونا أن نشتغل بالسياسة، فما لكم تريدون أن تعيدونا إليها؟

قال: لا نريدك أن تشتغل بالسياسة، ولكن إذا رأيتَ شيئًا مهمًّا، نرجو أن تبلغنا به، وهذا لا يُكَلِّفك إلَّا رسالة بريديَّة.

وانصرفت من عنده مستغربًا من فكرة رجال الأمن الَّذين عمُوا عن معرفة معادن النَّاس، واعتقادهم أنَّ كلَّ إنسان صالحٌ لأن يعمل لحسابهم، وأنَّهم بالتهديد المبطن يستطيعون أن يجنِّدوا حتَّى العلماء والدعاة، وهم في ذلك جِد مخطئين.

الطيارة النفاثة:

كان سفرنا بطبيعة الحال بالطائرة، وكنت قد ركبت الطائرة في رحلة قصيرة من قبل، من عمَّان إلى القاهرة، ولكن كانت الطائرة صغيرة بمحركات. واليوم نركب طائرة نفَّاثة ، وهي أوَّل مرَّة تذهب من القاهرة إلى الدوحة، فقد كان المعارون قبلنا يستخدمون الطائرات ذات المحركات، وكانت الرحلة تستغرق ست ساعات، وربَّما أكثر، واليوم تستغرق هذه الرحلة نحو ثلاث ساعات، أي نصف زمن الطائرات السابقة.

وقرأنا أدعية السفر والركوب المأثورة، وحفَّظتها لزوجتي لتقرأها معي: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} (الزخرف:13-14).  اللهمَّ هوِّن علينا سفرنا، واطوِ عنا بُعده. اللهمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهمَّ إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد. اللهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى.

لقد كنتُ أدعو بهذا الدعاء حين أركب القطار أو السيارة، فأولى أن أدعو به، ونحن معلَّقون في الفضاء. وقد قال طيار أمريكي: إن الإنسان أقرب ما يكون من الله، وهو في الجو، حيث لو حدث أي كرب، فلا منجاة من الله إلا إليه.

الوصول إلى الدوحة وحر الخليج:

وصلنا الدوحة حوالَي الساعة التاسعة مساءً، وعندما فُتح باب الطائرة لننزل منها: فوجئنا لأوَّل مرَّة بهذا اللهيب الَّذي يستقبلنا، وهذا الجو الخانق المشبع بالرطوبة والبخار، الَّذي لم يكن لنا عهد به، وإذا كان هذا هو الحال في الساعة التاسعة مساءً، فماذا يكون الحال في الهاجرة والشمس في كبد السماء؟

قال الإخوة الَّذي استقبلونا: هذا هو جو الخليج، ولا بدَّ أن توطِّنوا أنفسكم على احتماله، والتعايش معه. فليس هو جو مصر، ولا جو الشام.

كان في استقبالنا بعض الإخوة الأصدقاء، منهم: الشيخ محمَّد مصطفى الأعظمي، العالِم الهندي الَّذي يعمل أمينًا لمكتبة الدوحة، والأخ الشيخ عبد اللطيف زايد، الَّذي يعمل في وزارة المعارف منذ سنين. والأخ أحمد العسَّال، الَّذي كان قد سبقنا إلى الدوحة، واستضافنا عنده، وصحبنا في سيَّارة الأعظمي - وهي سيَّارة قديمة سقفها من القماش - إلى مسكنه لنبيت عنده في شقته.

صوت المكيِّف:

وأُعْطِينا حجرة لننام فيها أنا وزوجتي وابنتاي، ولأول مرَّة أرى «المكيِّف» الَّذي يبرد الهواء، وأسمع صوته، وعندما أردنا النوم قلت لهم: هل ننام وهذا المكيِّف يزعجنا بصوته كالطاحونة؟ إنَّني لا يمكنني أن أنام وأنا أسمع أي صوت؟

قالوا: جرِّبْ وأغلقْه. وجرَّبتُ وأغلقنا المكيِّف، فلم تمر دقائق حتَّى بدأ الجو يسخن، ثمَّ يسخن، وقلت: مستحيل أن أنام في هذا العرق!

كان لا بدَّ من تشغيل المكيِّف، فهو ضرورة من ضرورات الحياة في تلك البلاد، أو على الأقل حاجة من حاجاتها الأساسيَّة.

وقد اعتادت آذاننا بعد ذلك على صوته، وربَّما أصبح مساعدًا على النوم، فهو يحجب عنا أصوات الشارع الآتية من الخارج، ثمَّ تطوَّرت صناعته وظهرت أنواع من المُكَيِّفات لا يكاد يُسمع لها صوت. وقد كان وصولي إلى الدوحة في غُرة ربيع الآخِر سنة (1381هـ) الموافق (12/9/1961م) الثاني عشر من شهر سبتمبر (أيلول) سنة واحد وستِّين وتسعمائة وألف.

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-02-11 07:15:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-12-22 03:50:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام