الملحمة «النونيَّة»
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:
كانت السنة الأولى من الاعتقال جدَّ قاسية، لا يكاد يجد المرء فيها فرصة، ليخلو إلى نفسه، ويناجي خواطره، والهول شديد، والسكين حامية، والنار موقدة، والمعركة منصوبة، فمن أين يصفو الفكر، ويفيض الخاطر، ويتدفق الشعر؟
ولكن في أواخر سنة (1955م)، وبعد أن استقر بنا المقام في السجن، وهدأت الأحوال نسبيًّا؛ بدأت خواط الشعر تفيض عليَّ فيضًا..
وكان المشكل أنِّي في حاجة إلى أن أكتبَها حتَّى لا تتفلَّت منِّي، ولكن أنَّى لي أن أكتب ولا قرطاس عندي ولا قلم؟ فقد أخذوا منَّا الأوراق والأقلام، وكلَّ ما له علاقة بالعلم والثقافة والفكر؛ ولهذا كان عليَّ أن أقول الأبيات، وأردِّدها على مَن حولي حتَّى أحفظَها، ثمَّ إذا نزلنا إلى دورة المياه، رويتها للإخوة المشهورين بالحفظ، الَّذين يحفظون الأبيات من مرَّة أو مرتين.
وفي كل يوم أنشئ نحو عشرين أو ثلاثين بيتًا، وأعتمد في تثبيتها على الرواية الشفهيَّة، كما كان يفعل العرب في الجاهلية غالبًا، وكانوا يختزنون الأشعار في ذواكرهم.
ولم أزل كذلك حتَّى اكتملت القصيدة، وزادت أبياتها على الثلاثمائة. وكان الإخوان يُحفِّظها بعضهم لبعض، فغدا رواتُها عددًا يبلغ التواتر، كما يقول العلماء، وإن كان كلٌّ منهم يحفظ جزءًا منها لا كلها.
تبدأ القصيدة بهذه الفقرة الَّتي تصوِّر كيف بدأتُ أنشئ القصيدة:
ثَارَ الْقَرِيضُ بِخَاطِرِي فَدَعُونِي أُفْضِي لَكُمْ بِفَجَائِعِي وَشُجُونِي
فَالشِّعْرُ دَمْعِيَ حِينَ يَعْصِرُنِي الْأَسَى وَالشِّعْرُ عُودِي عِنْدَ عَزْفِ لُحُونِي
كَمْ قَالَ صَحْبِي: أَيْنَ غُرُّ قصائدٍ تُشْجِي القُلُوبَ بِلَحْنِهَا الْمَحْزُونِ؟
وَتُخَلِّدُ الذِّكْرَى الْأَلِيمِةَ لِلْوَرَى تُتْلَى عَلَى الْأَجْيَالِ بَعْدَ قُرُونِ
مَا حِيلَتِي وَالشِّعْرُ فَيْضُ خَوَاطرٍ مَا دُمْتُ أَبْغِيهِ وَلَا يَبْغِينِي؟!
وَالْيَوْمَ عَاوَدَنِي الْمَلَاكُ فَهَزَّنِي طَرَبًا إِلَى الْإِنْشَادِ وَالتَّلْحِينِ
أُلْهِمْتُهَا عَصْمَاءَ تَنْبُعُ مِنْ دَمِي وَيمدُّها قَلْبِي ومَاءُ عُيُونِي
نُونِيَّةٌ، والنُّونُ تَحْلُو فِي فَمِي أَبَدًا فَكِدْتُ يُقَالِ لِي: «ذُو النُّونِ»
صَوَّرْتُ فِيهَا مَا اسْتَطَعْتُ بِرِيشَتِي وتَرَكْتُ لِلْأَيَّامِ ما يُعْيِينِي
مَا هِمْتُ فِيهَا بِالْخَيَالِ فَإِنَّ لِي بِغَرَائِبِ الْأَحْدَاثِ مَا يُغْنِينِي
أَحْدَاثُ عَهْدِ عِصَابَةٍ حَكَمُوا بَنِي مِصْرٍ بِلَا خُلُقٍ ولَا قَانُونِ
أَنْسَتْ مَظَالِمُهُمْ مَظَالِمَ مَنْ خَلَوْا حَتَّى تَرَحَّمْنَا عَلَى «نِيرُونِ»!
حَسِبُوا الزَّمَانَ أَصَمَّ أَعْمَى عَنْهُمُو قَدْ نَوَّمُوهُ بِخُطْبَةٍ وَطَنِينِ
ويَرَاعَةُ التَّارِيخِ تَسْخَرُ مِنْهُمُو وتَقُومُ بِالتَّسْجِيلِ وَالتَّدْوِينِ
وَكَفَى بِرَبِّكَ لِلْخَلِيقَةِ مُحْصِيًا فِي لَوْحَةٍ وكِتَابِه الْمَكْنُونِ