عودة إلى القرية بعد الاعتقال

عودة إلى القرية بعد الاعتقال


📁 مقالات الإمام📅 2025-12-01 03:40:00👁 2,073 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

عُدتُ إلى قريتي «صفط تراب» بعد غياب أشهر (في معتقل الطور)، وجاء النَّاس إلى دارنا، ليسلِّمُوا عليَّ ويهنِّئوني بالعودة، وحسب بعض النَّاس أنَّهم سيجدون إنسانًا قد قهره الاعتقال، وأخرس لسانه، وهدَّ كِيانه، ولكنَّهم فوجئوا بأني أُحدِّثهم عما صنع الإخوان في المعتقل، وكيف حوَّلوه إلى جامع وجامعة وجمعيَّة ومنتدى، حتَّى أسرَّ بعضهم إلى بعض قائلًا: إن الاعتقال لم يغيِّره. وبعضهم خشي على نفسه أن يسمع مثل هذا الكلام ويسكت عليه، فأسرع بالقيام، حتَّى لا يُتَّهم بأنه سمع هذا.

ولم أبقَ في القرية غير يومين فحسب، فقد كان ورائي أمر مهم جدًّا، وضروري جدًّا، وهو الاستعداد لدخول امتحان الدور الثاني للشهادة الثانويَّة، فلم يبقَ على موعد الامتحان سوى خمسة عشر يومًا، لا بدَّ أن أتفرَّغ فيها لمراجعة المقرَّرات الدراسيَّة، متوكِّلًا على الله تعالى، مستمدًّا منه التوفيق، وما توفيقي إلا بالله.

وهنا سافرت إلى طنطا، لأتفرَّغ تفرُّغًا تامًّا لمراجعة الكتب المقررة في هذه المدة القليلة، وبخاصَّة أنِّي كنتُ قد ألقيتُ هذه الكتب جانبًا، بعد أن حُرِمنا من دخول امتحان الدور الأوَّل، وبارك الله في هذه الأيَّام القليلة، وواصلتُ الليل بالنهار، لا أكاد أنام إلا القليل.

وقد بدأ الامتحان بمادة «الفقه»، كما كان هو المعتاد في معاهد الأزهر، ومن قدر الله أن الأستاذ الَّذي كان يراقب فصلَنا، لاحظ أن استمارتي ليس فيها صورة شمسية، فسألني عن سبب ذلك، فقلتُ له: ظرف خارج عن إرادتي. فقال: أي ظرف يمنع من إلصاق صورة بالاستمارة؟ قلتُ: بصراحة كنتُ معتقلًا.

وهنا قال الشيخ - واسمه: أحمد ربيع -: كنت في جبل الطور؟ قلتُ: نعم. قال: حدثني حديثًا حزينًا أو جميلًا عن الطور وبعض ما وقع فيه. والرجل يصغي إليَّ بتأثُّر وإعجاب، ونسيتُ ونسِيَ الشيخُ ربيع أنِّي في امتحان، وأني في حاجة إلى الوقت. وهنا أدرك الشيخ أن الوقت قد ضاع منه الكثير، فقال: أنا آسف يا بُنَيَّ، توكَّلْ على الله واكتب.

وأنا عادة أطيل الكتابة في إجابة الأسئلة الأولى، وكانت الأسئلة أربعة، ولما كنتُ في نهاية إجابة السؤال الثالث، دق الجرس، ولم أُجِبْ عن السؤال الرابع، وكان في الميراث، وأنا أعرف الإجابة تمامًا.

لقد خرجتُ من الحصة الأولى في غاية الهمِّ والحزن على ما ضاع مني من أسئلة الفقه، الَّذي كنت كثيرًا ما أُحصِّل فيه (40) من  .(40) 

وقد بدا ذلك على وجهي حينما خرجتُ من الحصة الأولى، وقد ركبني من الغمِّ ما ركبني. وحاول إخواني أن يهوِّنوا عليَّ الأمر، وظنُّوا أنِّي حزين على عدم النجاح، وقالوا: إن الكل يعرف ظروفك، وأنك أوَّل الفصل، فإذا لم توفَّقْ في سنة ما، لظروف خارجة عن إرادتك، فلا جُناحَ عليك، ثمَّ ألا تحصل على عشْرين درجة؛ النهاية الصغرى؟ قلت لهم: أنا ضامن نحو ثلاثين درجة، أو تسعًا وعشرين.

قالوا: وتضمن هذا ثمَّ تكفهرُّ وتتكدَّر هذا التكدُّر! قلت: إنِّي حريص على التفوق حرصي على النجاح.

وهذا جعلني أهتمُّ برعاية الوقت في جميع حصص الامتحان القادمة، ووفَّقَني الله تعالى غاية التوفيق.

وحينما ظهرت النتيجة كانت المفاجأة السارة، وهو أنِّي حصلتُ على الترتيب الثاني في الشهادة الثانويَّة، على طلاب المعاهد الدينيَّة في المملكة المِصْريَّة في الدورين الأوَّل والثاني، ولم يكن بيني وبين الطالب الأوَّل إلا نصف درجة، وكان الأوَّل من المحلَّة أيضًا، هو صديقنا حامد محمود إسماعيل (الدكتور حامد الآن).

وكان هناك مكافأة للأول والثاني اقتسمناها معًا بالتساوي، وكانت حوالي ثلاثة وثلاثين جنيهًا. والحمد لله الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحات، الَّذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله! 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-02-12 00:00:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-12-22 03:50:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-09-20 23:06:42👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-09-03 04:02:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام