أماني وأحلام للطلبة

أماني وأحلام للطلبة


📁 مقالات عامة📅 2025-11-03 08:15:00👁 2,050 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: 

مِن الطرائف الَّتي أذكرها: أن جاءنا أحد المشايخ ونحن في السنة الأولى الثانويَّة، في حصة إضافية، وكان شيخًا ظريفًا صاحب نكتة، فأراد أن يتسلَّى مع الطلاب، فقال: أريد من كل طالب منكم أن يذكر أمنيَّته الَّتي يريد أن يحقِّقها في حياته، وفي مستقبل أيامه: ماذا يريد أن يكون؟

وطفق الطلبة في الفصل يذكر كل منهم ما يريد أن يكون في مستقبل حياته، فقال أحدهم: أريد أن أكون ضابطًا في الجيش. وقال له الشيخ: ستكون إن شاء الله خفيرًا حارسًا على مقابر الموتى.

وقال أحد الطلاب: أريد أن أكون مدرسًا في ثانوي الأزهر مثل فضيلة الشيخ. وقال الشيخ: ستكون معلِّم كُتَّاب في قريتكم!

حتى جاء عندي، وقال لي: وأنت ماذا تريد؟

قلت له: اسمح لي يا فضيلة الشيخ أن أصارحك بما أريد، إنِّي أريد أن أكون شيخًا للأزهر!

وتوقَّع الطلاب أن يعلِّق الشيخ الساخر على طريقته، وخصوصًا مع غرابة الأمنيَّة، ولكنَّه فاجأ الجميع بقوله: لا تستبعدوا هذا يا أولاد. فكم من أمل كبير قد تحقَّق، وكم من حُلُم بعيد أصبح حقيقة. وفي التاريخ وفي الواقع أمثلة كثيرة لأناس حلموا أحلامًا ظنَّها النَّاس من شطحات الخيال، أو من توقعات المحال، اجتهد أصحابها وجاهدوا، حتَّى وصلوا إليها.

وقد سألني الأخ عبد العزيز السيِّد المذيع بتليفزيون دولة قطر، وقد كان يُسجِّل معي ذكرياتي عن مسيرة الحياة، وجاء ذكر هذه الواقعة، فقال لي: وهل لا تزال هذه الأمنية واردة؟ قلت له:

أولًا: قد فات الأوان من ناحية، فأنا في الخامسة والسبعين من عمري.

ومن ناحية ثانية، لم يعد شيخ الأزهر وحده قادرًا على تحقيق ما يريده من إصلاح وتجديد، حتَّى تُساندَه الدولة، أو على الأقل تُطلق يده. ومَن لمثلي بهذا؟

وثالثًا: لا بدَّ لمن يتولَّى مثل هذه المناصب في عهد الثورة: أن يخضع لسياسة الدولة، ويعمل على إرضائها، ويسير في ركابها؛ فإما أن ينطق بباطل، وإما أن يسكت عن حق، وإلا أصبح في صراع معها. ولهذا يبعد على مثلي أن يكون في هذا المنصب. وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له.

وقد علَّق الأخ الدكتور أحمد العسَّال على هذه الرغبة قائلًا: أردتَ شيئًا وأراد الله لك شيئًا آخر أفضل ممَّا أردت. فقد أردتَ أن تكون شيخًا للأزهر، وأراد الله لك أن تكون شيخًا للأُمَّة بأسرها. وهناك فرق بين المنصبَيْن، فشيخ الأزهر يختاره الحاكم، سواء وافق اختياره اختيار النَّاس أم لا، أما شيخ الأمة، فتختاره الأمة عن حبٍّ وطواعية.

وشيخ الأزهر يملك الحاكم عزله، ولكنَّه لا يملك أن يعزل شيخ الأُمَّة؛ لأنَّه لم يُنصِّبه هو، إنَّما نصَّبته الأُمَّة. 

 

لا توجد أخبار حاليًا