سر العبادة وغايتها
لماذا فرض الله علينا عبادته وطاعته وهو الغني عنا؟ وما الغاية من تكليفنا هذه العبادة؟ هل يعود عليه - سبحانه - نفع من عبادتنا له، وخشوعنا لوجهه؟ ووقوفنا ببابه، وانقيادنا لأمره ونهيه جل شأنه؟ أم النفع يعود علينا نحن المخلوقين؟ وما حقيقة هذا النفع إن كان؟ أم الهدف هو مجرد الأمر من الله والطاعة منا؟
والجواب: أنه - تبارك اسمه - لا تنفعه عبادة من عبده، ولا يضره إعراض من صد عنه. وقد أخبرنا على لسان سليمان في القرآن: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل:40)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15).
وقال عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا».
وإذا كان الله سبحانه له هذا الغنى المطلق فلماذا إذن كلف عباده أن يعبدوه ويطيعوه؟ وأظن - بعد أن يعرف الإنسان جواب الأسئلة الخالدة: من أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟ - أنَّ من السهل أن يعرف جواب هذا السؤال. إنه كامن في طبيعة الإنسان نفسه، وطبيعة مهمته في الأرض، والغاية التي أُعدَّ لها من وراء هذه الحياة.
العبادة غذاء للروح:
فالإنسان ليس هو هذا الغلاف المادي الذي نحسه ونراه، والذي يطلب حظه من طعام الأرض وشرابها. ولكن حقيقة الإنسان في ذلك الجوهر النفيس الذي به صار إنسانًا مكرمًا سيدًا على ما فوق الأرض من كائنات. ذلك الجوهر هو الروح، الذي يجد حياته وزكاته في مناجاة الله عزَّ وجلَّ. وعبادة الله هي التي توفر لهذا الروح غذاءه ونماءه، وتمدُّه بمدد يومي لا ينفد ولا يغيض.
ولئن تراكم على هذا الجوهر المعنوي الغفلة والغرور، وران عليه صدأ الجحود أو الشك، فقد تهبُّ عواصف المحن فتزيح الغبار، أو تندلع نار الشدائد فتجلو الصدأ، وسرعان ما يعود الإنسان إلى ربِّه، فيدعوه ويتضرَّع إليه. وهذه حقيقة ذكرها القرآن، وأيَّدتها وقائع الحياة، {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (يونس:22).
إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل صادق لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة بربِّ الوجود، وهذا ما تقوم به العبادة إذا أُديت على وجهها.
يقول ابن تيمية رحمه الله: «القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة والتوكل. فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يُسَر، ولا يلتذ ولا يطيب، ولا يسكن ولا يطمئن، إلا بعبادة ربِّه وحبِّه والإنابة إليه. ولو حصل له كلُّ ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربِّه - بالفطرة - من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح والسرور، واللذة والنعمة، والسكون والطمأنينة».
في الأشهر الأخيرة لنا في السجن الحربي رأينا عجبًا، رأينا حمزة البسيوني المتكبِّر الجبَّار، الَّذي كان يتحدَّى الله جل جلاله فوق عرشه، يحاو
الحياة التي نحياها هذه - طالت أو قصرت - ليست هي الغاية ولا إليها المنتهى، وما هي إلا محطة انتقال إلى حياة أخرى ودار أخرى: حياة البقاء، ودار الخ
العبادة هي حقٌّ الخالق - جلَّ شأنه - على خلقه. وفي ذلك روى البخاري ومسلم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنتُ رديف النبي صلى الله عليه وسلم، ع
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: أوَّل عمل لي دخل المكتبة العربيَّة كان عملًا شعريًّا مسْرَحِيًّا، فقد قرأتُ مسرحيَّتي شوقي: «مصرع كليو
إن شمول معنى العبادة في الإسلام - كما شرحناه - له آثار مباركة في النفس والحياة، يحسُّها الإنسان في ذاته، ويلمسها في غيره، ويرى ظلالها في الحي