كلمة هادئة حول زواج المسيار

❓ كلمة هادئة حول زواج المسيار

📅 2026-06-15 👁 115 مشاهدة

نص السؤال:

ما حقيقة زواج «المسيار»؟ وما معنى «المسيار»؟ وهل هذا زواج جديد لم يعرفه النَّاس قبل هذا حتَّى يحدث هذه الضجة؟ وهل هو شيء غير الزواج العرفي الَّذي عرفه النَّاس من قديم؟ وهل أجزتموه مطلقًا أو أجزتموه بشروط وضوابط؟ وما هي هذه الضوابط والشروط؟ وهل هذا الزواج يحقِّق كل أهداف الزواج الشرعي كما يريده الإسلام؟ وما الفرق بينه وبين زواج «المتعة»؟ وما الفرق بينه وبين زواج «المحلِّل»؟ وقبل ذلك: لماذا خالف فيه بعض العلماء؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الَّتي تعنُّ للكثيرين والكثيرات.
الجواب / الاستشارة
لم أكن أتوقَّع أن تُحدث فتواي حول ما سُمِّي «زواج المسيار» هذه الضجة في قطر وفي الخليج، وفي البلاد العربية عامة، فقد وجدت صداها في «المغرب» عندما زرته، منذ نحو أسبوعين أو أكثر.
وهذا شأن كل أمر جديد على الناس، يختلفون فيه عامتهم وخاصتهم، حتَّى يستقروا على رأي موحد، أو يظل الخلاف قائمًا.
وأودُّ أن أشير هنا إلى أنَّ اختلاف الرأي بين علماء الأمة في فروع المسائل لا يقلق مخلصًا، ولا يزعج مؤمنًا، ما دام الاختلاف قائمًا على تعدد زوايا الرؤية، وعلى تفاوت الأدلة والاعتبارات، الَّتي يستند إليها كل فريق، وليس مبنيًّا على اتباع هوى النفس أو أهواء الغير؛ فإنَّ اتباع الأهواء يغبّش الرؤية، ويضلُّ عن الحق،﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ[القصص: 50]، وقد قال تعالى:﴿ثُمَّ جَعَلْنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ[الجاثية: 18، 19].
فالآراء المؤسَّسة على الهوى هي الَّتي تزعج المؤمنين الصادقين، وكذلك الآراء الَّتي تصدر ممَّن سمَّاهم الرسول الكريم: «رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»(1).
أمَّا الاختلاف فيما وراء ذلك، فهو ضرورة ورحمة وسعة، كما بيَّنتُ ذلك بأدلَّته وأمثلته مفصَّلًا؛ في كتابي: «الصحوة الإسلاميَّة بين الاختلاف المشروع والتفرُّق المذموم».
وسيظل النَّاس يختلفون في كثير من القضايا المستجدة. كما اختلفوا في كثير من القضايا القديمة؛ ما بين مانع ومجيز، وما بين مضيق وموسع، ولهذا اختلف الأئمَّة الأربعة بين بعضهم وبعض، وخالفهم أصحابهم في كثير من المسائل، واختلف أتباع كل مذهب بعد ذلك في تصحيح الأقوال والروايات والوجوه، أو تضعيفها، أو ترجيح بعضها على بعض.
كما اختلف شيوخ الأئمَّة الأربعة من التابعين وأتباعهم، واختلف قبلهم شيوخ هؤلاء جميعًا من فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم، وعرف تراثنا ما سمَّاه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، ولم يمنع ذلك من بعدهم من علماء الأمة: أن ينتفعوا بعلم هؤلاء، ويقتبسوا من أنوارهم، الَّتي استمدوها من مشكاة النبوة.
ولقد قال لي بعض الأصدقاء: لقد أغضبت أكثرية النساء في قطر، وكُنَّ جميعًا معك في كل ما تقول.
أما كان الأولى بك أن تفعل مثل ما فعل فلان وفلان وغيرهما، الَّذين كسبوا رضا النساء والبنات بالوقوف ضدَّ زواج المسيار؟!
قلت لهؤلاء: إنَّ العالم إذا أصبح همه إرضاء طوائف النَّاس ـ وإن أسخط ربه ـ فقد ضلَّ سعيه، وخسر نفسه، وأضاع دينه. ولن يُرضي النَّاس كلهم يومًا، وقد قيل: رضا النَّاس غاية لا تدرك.
ومن في النَّاس يُرضي كلَّ نَفْسٍ
وبين هوى النُّفوس مدًى بعيدُ(2)؟
وقد قال تعالى:﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ[المؤمنون: 71].
ولنعد إلى الموضوع ـ بعد أن سكتت الزوبعة إلى حدٍّ ما ـ لنقول فيه كلمة هادئة محررة، بدل الكلام الشفهي المرتجل، عسى أن تكون كلمة فاصلة في الموضوع،﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ[الأنفال: 42].
وهنا أسئلة مثارة يلزمنا الجواب عنها؛ حتَّى نكشف النقاب عن وجه القضية، وتبدو واضحة جلية؛ وهي: ما حقيقة زواج «المسيار» هذا؟ وما معنى «المسيار»؟ وهل هذا زواج جديد لم يعرفه النَّاس قبل هذا حتَّى يحدث هذه الضجة؟ وهل هو شيء غير الزواج العرفي الَّذي عرفه النَّاس من قديم؟ وهل أجزتموه مطلقًا أو أجزتموه بشروط وضوابط؟ وما هي هذه الضوابط والشروط؟ وهل هذا الزواج يحقِّق كل أهداف الزواج الشرعي كما يريده الإسلام؟ وما الفرق بينه وبين زواج «المتعة»؟ وما الفرق بينه وبين زواج «المحلِّل»؟ وقبل ذلك: لماذا خالف فيه بعض العلماء؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الَّتي تعنُّ للكثيرين والكثيرات.
لا أحبِّذ زواج المسيار:
وأبدأ كلمتي هذه بحقيقة أعلنتها في حلقة «الشريعة والحياة» وهي: أنِّي لست من دعاة «زواج المسيار» ولا من المُرَغِّبِين فيه، فلم أكتب مقالة في تحبيذه أو الدفاع عنه، ولم أخطب خطبة تدعو إليه. كل ما في الأمر أنِّي سُئلت سؤالًا عنه، فلم يسعني أن أخالف ضميري أو أتاجر بديني، أو أشتري رضا النَّاس بسخط ربي، فأحرِّم ما أعتقد أنَّه حلال، لمتابعة أهواء العامة.
ولقد ذكرت في بعض كتبي: أنَّ من أخطر آفات أهل العلم، وأهل الفتوى خاصة، أمرين:
أولهما: اتباع أهواء السلاطين والحكام، وتفريخ الفتاوى، تبريرًا لمظالمهم وانحرافاتهم.
وثانيهما: اتباع أهواء عامَّة النَّاس وجماهيرهم، والدخول في «سوق المزايدات» حسب الرائج عندهم، فإن كان الرائج هو التشدد والتطرف: تشدَّد وتطرَّف أكثر منهم، وإن كان الرائج هو التساهل كان أكثر تساهلًا.
ولقد بيَّنت أنَّ العالم الَّذي يتبع لأهواء الجمهور أشد خطرًا على الدين، من العالم الَّذي يتبع هوى السلطان، فإنَّ هذا سرعان ما يكشف ويفتضح أمره. أمَّا الآخر فظاهره التحمس للدين، والحرص عليه والتشدد فيه، فلا يكتشف إلّا بصعوبة، ولا يعرف زيفه إلّا أصحاب البصائر، أمَّا العامة فهم محجوبون بظاهره عن حقيقته.
حقيقة زواج المسيار:
إنَّ زواج المسيار كما يسمَّى، ليس شيئًا جديدًا، إنَّما هو أمر عرفه النَّاس من قديم، وهو الزواج الَّذي يذهب فيه الرجل إلى بيت المرأة، ولا تنتقل المرأة إلى بيت الرجل، وفي الغالب: تكون هذه زوجة ثانية، وعنده زوجة أخرى هي الَّتي تكون في بيته وينفق عليها.
فروح هذا الزواج هو إعفاء الزوج من واجب المسكن والنفقة، والتسوية في القسم بينها وبين زوجته الأولى أو زوجاته، تنازلًا منها، فهي تريد رجلًا يعفُّها ويحصِّنها ويؤنسها، وإن لم تكلفه شيئًا، بما لديها من مال وكفاية تامة.
أذكر في صباي جارة لنا توفي عنها زوجها وترملت، ولم تزل شابة، وترك لها طفلين، وبعد عدة سنوات تزوَّجت رجلًا من قرية قريبة من قريتنا، ونظرًا لأنَّ لها بيتًا وأولادًا، فكان الرجل هو الَّذي يأتي إليها كل أسبوع يومًا أو يومين، وقد أعفته من السكنى بحكم وجودها في بيت زوجها السابق مع ولديها، ولم تلزمه بكل النفقة، بحسبها أن يساعدها في ذلك. وكان جاراتها يتغامزْن عليها في أول الأمر، فإنَّ الأرامل في العرف الاجتماعي عندنا لا يستحسن منهن الزواج(3)، ولكن هذه المرأة العاقلة لم تبالِ بذلك، واستفادت من إجازة الشرع لها، واستقر الأمر بعد ذلك ورضي به الجميع.
وقد كان هذا في الأزمنة الماضية قليلًا؛ فقد كان الزواج سهلًا ميسرًا، ولم تكن هناك عوائق مادية ولا اجتماعيَّة كالتي نراها في عصرنا، وكان قليل من النساء من لهنَّ مال خاص جاءهن عن طريق الميراث في الغالب. ولهذا لم ينتشر كثيرًا هذا النوع من الزواج، الَّذي تتنازل فيه المرأة الموسرة عن بعض حقوقها.
أمَّا في زمننا فقد كثرت عوائق الزواج، ومعظمها ممَّا كسبت أيدي الناس، ونشأ عن ذلك كثرة «العوانس» اللاتي فاتهن القطار، وعشن في بيوت آبائهن محرومات من الحق الفطري لهنَّ في الزواج وفي الأمومة، إضافةً إلى المطلَّقات، وهُنَّ للأسف كثيرات، وإلى الأرامل اللاتي مات عنهن أزواجهن، وخلّفوهن وحيدات، أو مع أطفال، وكثيرًا ما يكون معهن ثروة ومال.
كما أنَّ الأوضاع في عصرنا قد أعطت كثيرًا من النساء فرصة لتكون لهنَّ موارد خاصَّة بهنَّ من كسبهن المشروع، كمن تعمل مدرِّسة أو موجِّهة، أو طبيبة أو صيدلانيَّة أو محامية، أو غير ذلك من أنواع المهن.
فكل هذه الأسباب أدَّت إلى شيوع نسبي لهذا النوع من الزواج الَّذي سمَّوه «زواج المسيار». وأنا لا أعرف معنى «المسيار» فهي ليست كلمة مُعْجَمِيَّة فيما رأيت، إنَّما هي كلمة عامية دارجة في بعض بلاد الخليج، يقصدون منها: المرور وعدم المكث الطويل.
لا عبرة بالأسماء والعناوين:
وأنا عندما سُئلت عن هذا الزواج «المسيار» قلت: أنا لا تهمني الأسماء، فالعبرة في الأحكام ليست بالأسماء والعناوين، ولكن بالمسمَّيات والمضامين. وفي القواعد الشرعيَّة لمجلة الأحكام العدلية الشهيرة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، وليست للألفاظ والمباني(4)، سمّوا هذا الزواج ما تسمّونه، ولكن المهم عندي أن تتحقَّق أركان عقد الزواج وشروطه.
وأول أركان عقد الزواج هو الإيجاب والقبول ممَّن هو أهل للإيجاب والقبول.
وأن يتحقَّق الإعلام والإعلان به، حتَّى يتميَّز عن الزنى واتخاذ الأخدان، الَّذي يكون دائمًا في السر، وهناك حد أدنى في الشرع لهذا الإعلان، وهو وجود شاهدين. ووجود الولي في رأي المذاهب الثلاثة المعروفة: مالك والشافعي وأحمد. وألَّا يكون هذا الزواج مؤقتًا بوقت، بل يدخله الرجل والمرأة بنيَّة الاستمرار.
وأن يدفع الرجل للمرأة مهرًا، قل أو كثر، وإن كان لها بعد ذلك أن تتنازل عن جزء منه أو عنه كله، لزوجها إذا طابت نفسها بذلك، كما قال تعالى:﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا[النساء: 4].
بل لو تزوَّجت بغير مهر، صحَّ العقد، وكان لها مهر مثلها.
فإذا وجدت هذه الأمور الأربعة: الإيجاب والقبول من أهلهما، والإعلام ولو في حدِّه الأدنى، وعدم التأقيت، والمهر، ولو تنازلت عنه المرأة بعد ذلك، فالزواج صحيح شرعًا، وإن تنازلت المرأة فيه عن بعض حقوقها، ما عدا حقَّ الجماع الَّذي لا يجوز أن يشرط في العقد، لأنَّه شرط ينافي مقصود العقد، فيبطله(5).
ولا يملك الفقيه أن يبطل مثل هذا العقد المستوفي لأركانه وشروطه، ويعتبر هذا الارتباط لونًا من «الزنى» لمجرَّد تنازل المرأة فيه عن بعض حقوقها، فهي إنسان مكلف، وهي أدرى بمصلحتها، وقد ترى ـ في ضوء فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد ـ أنَّ زواجها من رجل يأتي إليها في بعض الأوقات من ليل أو نهار: أولى وأفضل من بقائها وحيدة محرومة أبد الدهر. والعاقل الحكيم هو الَّذي يعرف خير الشرين، ويرتكب أخف الضررين، ويفوِّت أدنى المصلحتين.
فهل يجوز للمرأة أن تتنازل عن بعض حقوقها؟ وهل يؤثر هذا في صحَّة العقد؟
أعتقد أنَّ فقيهًا لا يملك أن يمنع المرأة من التنازل عن بعض حقوقها بمحض إرادتها لمصلحتها.. هي الَّتي تقدرها، وهي امرأة بالغة عاقلة رشيدة، ليست طفلة ولا مجنونة ولا سفيهة.
وإذا أخذنا بمذاهب الأئمَّة الثلاثة الَّذين يشترطون وجود الولي أو إذنه ـ وهو المعمول به في بلاد الخليج؛ حيث ينتشر المذهب المالكي والحنبلي ـ فمع المرأة أيضًا وليها من أب أو أخ، ولا يتصوَّر أن يرضى لها الضياع أو الهوان.
ولا يخفى أنَّ في الحياة ـ كما نشاهدها ـ عوامل وأسبابًا، تجعل الإنسان يتنازل عن بعض حقوقه؛ تحصيلًا لما هو أهم منها.
وقد رأينا السيدة سودة بنت زمعة زوج رسول الله بعد خديجة، وقد كانت امرأة كبيرة السن، وقد أحسَّت أنَّ النبيَّ لم يعد يقبل عليها كما كان من قبل، وخافت أن يطلِّقها وتحرم من أمومة المؤمنين، ومن أن تكون زوجته في الجنَّة، فبادرت وأخبرت رسول الله بتنازلها عن يومها لعائشة # (6)، فحمد لها الرسول ذلك، وأبقاها في عصمته، وصدّق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ﴾ [النساء: 128].
وأنا أفضِّل ألَّا يذكر مثل هذا التنازل في صلب العقد، وأن يكون أمرًا متفاهمًا عليه عرفًا؛ على أنَّ ذكره في صلب العقد لا يبطله. وأرى وجوب احترام هذه الشروط، كما جاء في الحديث المشهور: «المسلمون عند شروطهم»(7). وهو ضرب من الوفاء بالعهد الَّذي أمر به الله ورسوله. وفي الصحيحين: «أحقُّ الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»(8). أي شروط النكاح.
وهناك من الفقهاء من يرى أنَّ مثل هذه الشروط لا تلزم، بل يصح العقد ويبطل الشرط. وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو ما اختاره في «المقنع» وغيره، فقد ذكر النوع الثاني من الشروط، وهو: أن يشترط أن لا مهر لها ولا نفقة، أو أن يقسم لها أكثر من امرأته الأخرى، أو أقل، فالشرط باطل، ويصح النكاح. قال في «الإنصاف»: وكذا لو شرط أحدهما عدم الوطء، وهذا المذهب، نصَّ عليهما.
وقيل: يبطل النكاح أيضًا.
وقيل: يبطل إذا شرطت ألَّا يَطَأَها.
قال ابن عقيل في مفرداته: ذكر أبو بكر ـ فيما إذا شرط ألَّا يطأ، أو لا ينفـق، أو إن فارق رجع بما أنفق ـ روايتين، يعني في صحَّة العقد.
قال الشيخ تقي الدين (أي ابن تيمية): ويحتمل صحَّة شرط عدم النفقة. قال: لا سيَّما إذا قلنا: إنَّه إذا أُعسر الزوج ورضيت به: أنَّها لا تملك المطالبة بالنفقة بعد. واختار ـ فيما إذا شرط أن لا مهر ـ فساد العقد، وأنَّه قول أكثر السلف. واختار أيضًا الصحة، فيما إذا شرط عدم الوطء، كشرط ترك ما يستحقه(9) اهـ.
الفرق بين زواج المسيار والزواج العرفي:
أمَّا الفرق بين زواج المسيار والزواج العرفي، فهما قد يلتقيان، وقد يفترقان، فبينهما عموم وخصوص من وجه، كما يقول علماء المنطق: يجتمعان في صورة، وينفرد كل منهما في أخرى.
فالزواج العرفي زواج شرعي غير مسجَّل ولا موثَّق، ولكنَّه زواج عادي، يتكلَّف فيه الزوج السكن والنفقة للمرأة، وفي الغالب يكون الرجل متزوجًا بأخرى، ويكتم عنها هذا الزواج لسبب أو آخر.
وزواج المسيار، قد يكون غير مسجَّل، فيكون عرفيًّا، وقد يكون مسجَّلًا وموثقًا، كما هو واقع في كثير من الأحيان في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، وغيرهما.
وأنا أرجِّح أن يسجَّل هذا الزواج ويوثَّق بشروطه حفظًا للحقوق، وضمانًا للمستقبل، وحرصًا على سهولة ثبوت نسب الأولاد لأبيهم وميراثهم منه، فهذا ما لا يجوز التنازل عنه. فإن كان للزوجة التنازل عن بعض حقوقها، فليس لها التنازل عن حقوق أولادها.
كما أنَّ طاعة أولي الأمر هنا واجبة شرعًا؛ لأنَّها طاعة في معروف، فهم لم يأمروا بهذا ويوجبوه إلّا لمصلحة الناس، وخشية أن يتناكروا وتضيع الحقوق بينهم. وفي الحديث: «إنَّما الطاعة في المعروف»(10). وفي الحديث الآخر: «السمعُ والطاعةُ حقٌّ على المرء المسلم فيما أحبَّ أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية، فلا سمعَ ولا طاعة»(11).
ومع هذا لا أستطيع أن أبطل العقد إذا لم يسجَّل، ما دام مستوفيًا أركانه وشروطه، فإنَّ إبطال العقد أمر خطير، يترتَّب عليه أن تعتبر العلاقة بين الرجل والمرأة محرمة، وإن ولد بينهما ولد، فهو ابن حرام. وقد كان المسلمون طوال القرون الماضية يتزوَّجون بلا توثيق.
وقوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية، الَّتي ألزمت بالتوثيق والتسجيل للعقود: اكتفت في الزواج العرفي بأن قالت: لا تسمع فيه الدعوى، ولم تقل ببطلانه.
زواج المسيار وتحقيق أهداف الزواج الشرعي:
ويقول بعض المعترضين على زواج المسيار: إنَّ هذا الزواج لا يحقِّق كل الأهداف المنشودة من وراء الزواج الشرعي، فيما عدا المتعة والأنس بين الزوجين، والزواج في الإسلام له مقاصد أوسع وأعمق من هذا: من الإنجاب والسكون، والمودة والرحمة. وهذا يتفق مع رواية نقلت عن الإمام أحمد في زواج النهاريات أو الليليات، قال: ليس من نكاح الإسلام، يعني: ليس هو النكاح الكامل، كما تقول: ليس بمؤمن من لا يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
وأنا لا أنكر هذا، وأنَّ هذا النوع من الزواج ليس هو الزواج الإسلامي المثالي المنشود، ولكنَّه الزواج الممكن، والَّذي أوجبته ضرورات الحياة، وتطور المجتمعات، وظروف العيش.
وعدم تحقيق كل الأهداف المرجوة لا يلغي العقد، ولا يبطل الزواج، إنَّما يخدشه وينال منه، وقد قيل: ما لا يدرك كله، لا يترك كله. والقليل خير من العدم.
هبْ أنَّ رجلًا تزوَّج امرأةً عاقرًا لا تنجب، أو أنَّ امرأة تزوجت رجلًا عقيمًا، فهل يكون هذا الزواج باطلًا؛ إذ لا إنجاب فيه؟! وهب أنَّ رجلًا تزوج امرأة في سنِّ اليأس لم تعد صالحة للحمل، فهل في ذلك مانع شرعًا؟
وهبْ أنَّ رجلًا تزوَّج امرأة «نكدية» كدَّرت عليه حياته، ونغَّصت عليه عيشه، ولم يجد معها سكينة ولا مودة ولا رحمة، هل يفسخ العقد بينهما بذلك؟
إنَّ تحقيق الزواج لأهدافه كلها هو المثل الأعلى، الَّذي يصبو إليه المسلم والمسلمة، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، والمسلم يحاول أن يحصِّل من هذه الأهداف ما يقدر عليه.
والأصل في الزواج أن يعيش الزوج مع زوجته ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، ولكنَّ كثيرًا من الأزواج يسافرون في مهام تجارية أو صناعية، أو وظيفية أو غيرها، ويتركون زوجاتهم أيامًا وليالي، بل أشهرًا عدة في بعض الأحيان، وهذا لا يبطل الزواج القائم.
ولهذا اشترط بعض المذاهب ألَّا يغيب الزوج عن زوجته أربعة أشهر ـ وبعضها قال: ستة أشهر ـ متصلة، إلّا لضرورة، أو بإذن الزوجة.
وكان النَّاس في قطر وبلاد الخليج أيام الغوص يتغرَّبون عن وطنهم وأهليهم بالأشهر، وبعضهم كان يتزوَّج في بعض البلاد الأفريقية أو الآسيوية الَّتي يذهب إليها، ويقيم مع المرأة الفترة الَّتي يبقى فيها في تلك البلدة، الَّتي تكون عادة على شاطئ البحر، ويتركها ويعود إلى بلده، ثمَّ يعود إليها مرَّة أخرى، إن تيسَّر له السفر.
فهذا زواج اقتضته الحاجة، ورضيت به المرأة وأهلها، وهم يعلمون أنَّ هذا الرجل لن يبقى معهم إلّا فترة من الزمن، وقد يعود إليهم وقد لا يعود، ولم يعترض على هذا الزواج معترض.
وأحبُّ أن أقول لبعض الإخوة الَّذين يهوِّنون من هدف الإمتاع والإحصان، ويحقِّرون من شأن المرأة الَّتي تتزوج لتستمتع بالرجل في الحلال، ولا تفكِّر في الحرام، ويعتبرون هذا انحطاطًا بكرامة المرأة، ونزولًا بقدرها، أحبُّ أن أقول لهؤلاء كلمة صريحة: إنَّ هدف الإمتاع والإحصان ليس هدفًا هيِّنًا، ولا مَهينًا، كما تتَصَوَّرون وتُصَوِّرون، بل هو أول أهداف الزواج، ولهذا لا يجوز التنازل عنه في العقد، وفي الحديث الصحيح المعروف: «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج»(12).
وفي القرآن الكريم:﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187]. بل عرف الفقهاء النكاح بأنَّه: عقد لحل التمتع بأنثى خالية من الموانع الشرعيَّة. وإن كنت أرى أنَّ التمتع للطرفين: الرجل والمرأة كليهما، كما أشارت الآية:﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾.
فالعفة والإحصان قيمة كبيرة من قيمنا الإسلاميَّة، وهي ممَّا يميِّز مجتمعنا عن المجتمعات السائبة المتحلِّلة، وحاجة الرجل إلى المرأة، وحاجة المرأة إلى الرجل: حاجة فطرية، ولا ينظر الإسلام إليها نظرة بعض الأديان الأخرى: أنَّها قذارة أو رجس، بل هي غريزة فطر الله النَّاس عليها، ولا بدَّ من تسهيل الطرق الشرعيَّة إليها، حتَّى لا يضطر النَّاس إلى ركوب الحرام، ولا سيَّما في عصر فتحت فيه أبواب المحرمات على مصاريعها، وكثرت فيه المغريات بالمنكر، والمعوقات عن المعروف.
إنَّ الإسلام لم يستنكف من الاستمتاع الجنسي، ولم يقلل من شأنه إذا كان حلالًا، بل قال الرسول الكريم: «وفي بُضع أحدكم صدقة!» قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أليس إذا وضعها في حرامٍ، كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في حلالٍ كان له أجر»(13).
والمجتمع الغربي المعاصر ـ في إطار حضارته المادية الإباحية المعاصرة ـ حَلَّ هذه المشكلة: مشكلة الغريزة الجنسيَّة، وحاجة الرجل والمرأة الفطرية كليهما للآخر، بإطلاق العنان لكلٍّ منهما، يستمتع بصاحبه بلا عقد ولا رباط مقدس، ولا مسؤولية أخلاقية ولا دينية، ولا قانونية.
أجل، حلَّ الغرب هذه المشكلة عن طريق ما سموه الصديق (Boy friend) والصديقة (Girl friend). ونحن لا نملك أن نحل هذه المشكلة بهذه الطريقة؛ إذ لا بدَّ عندنا من عقد ومن رباط شرعي.
فلماذا يحقر بعض النَّاس هذا الجانب المهم في حياة الإنسان، وهو جانب فطري لا حيلة في دفعه، ولماذا يتظاهرون وكأنَّهم ملائكة مطهَّرون، لا يحتاجون إلى الجنس، ولا يفكرون فيه؟!
خشية ابتزاز الرجال للنساء:
ويخشى بعض المعترضين على هذا الزواج أن يكون وسيلة لابتزاز الرجل للمرأة، ما دام يشعر أنَّها محتاجة إليه، وأنَّ لديها مالًا وثروة، فهو يضغط عليها ليبتزَّها، ويستفيد منها، وهذا قد يحدث من غير شك، ولكنَّه كما يحدث في زواج المسيار، يحدث كثيرًا في الزواج العادي، وأنا شخصيًّا أتلقى رسائل كثيرة، وهواتف أكثر، من زوجات موظفات يشتكين من أزواجهن، الَّذين يستولون على معاشهن، ويتحكَّمون في رواتبهن، ولا يمكنونهن من فتح حساب في البنك خاص بهن، ولا يسمحون لإحداهن بمساعدة أهلهن الفقراء: من آباء وأمهات، أو إخوة وأخوات.
فهذا أمر مرجعه إلى الإيمان والأخلاق، وسيظل قائمًا ما دام إيمان النَّاس واهنًا، وما دامت أخلاقهم سقيمة، وكما قال شوقي 5 :
وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِم
فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَمًا وَعَويلَا(14)
زواج المسيار وقوامة الرجل:
ويقول بعض المعترضين: إنَّ زواج المسيار يناقض ما قرره الله تعالى من حق الرجل في القوامية على المرأة، والمسؤولية عن الأسرة، لأنَّه لا ينفق على المرأة، ولا يتحمَّل تبعتها في السكنى والنفقة.
ونقول: إنَّ الله تعالى جعل القوامة للرجال على النساء بأمرين:
أولهما: بما فضل الله بعضهم على بعض.
وثانيهما: بما أنفقوا من أموالهم.
أمَّا الأول، فيراد به: ما خصَّ الله به الرجل من قدرة على التحمل، والصبر على متاعب القيادة ومسؤوليتها أكثر من المرأة.
وأمَّا الثاني، فيكفي الرجل هنا أن يدفع الصداق، حتَّى يقال: إنَّه أنفق من ماله، ولهذا يستحق القوامة؛ بمجرَّد الدخول قبل بدء النفقة اليومية.
فهذا وذاك كافيان في أن يكون الرجل قَّوامًا ومسؤولًا، ولا يعني قبول الرجل تنازل المرأة عن النفقة: أن يتنازل هو عن القوامة.
زواج المسيار وزواج المتعة:
ويقارن بعض المعترضين بين زواج المسيار وزواج المتعة، ولا يخفى أنَّ ثمَّة فرقًا كبيرًا بين زواج المتعة وزواج المسيار.
زواج المتعة زواج مؤقت، محدود بمدة معينة مقابل مهر أو أجر معين، ويكون المهر أو الأجر عادة على قدر المدة، فأجر الأسبوع، غير أجر الشهر، غير أجر السنة. وبمجرد انتهاء المدة ينتهي هذا الزواج تلقائيًّا، لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ ولا شيء؛ فالمدة جزء لا يتجزَّأ من صلب العقد.
أمَّا زواج المسيار، فهو زواجٌ دائم، لا دخل للمدَّة فيه، ولا ينتهي إلَّا بطلاقٍ أو خُلع، أو فسخٍ من القضاء.
والشيعة أجازوا زواج المتعة، ولكنَّهم لم يعتبروا المتزوجة بالمتعة من النساء الأربع اللاتي يجوز للمسلم أن يتزوجهن!
زواج المسيار وزواج المحلِّل:
وأغرب من هذا ما ذكره بعض الإخوة المعترضين من المقارنة بين زواج المسيار وزواج (المحلِّل) الَّذي ذمَّه الرسول ، ولعن فاعله، قال: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له»(15). وسُمِّي في بعض الأحاديث التيس المستعار، فقال: «ألا أخبركم بالتَّيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له»(16).
وليت شعري أين هذا من ذاك؟ ما أبعد الفرق بين زواج المسيار وزواج المحلِّل!
زواج المحلِّل زواج غير مقصود بالمرَّة، إنَّه قنطرة لغيره ليعبر عليها.. لا هدف له في هذا الزواج، ولا مقصد له من ورائه، ولا صلة له بهذه المرأة، ولا تعارف بينهما قط، إلَّا أنَّه أداة لتحليلها شكليًّا للزوج الأوَّل.
فزواج المحلِّل غير دائم، وغير مقصود لذاته.
هو غير دائم؛ لأنَّه زواج ليلة أو ساعة ثمَّ يطلِّقها.
وهو غير مقصود لذاته، بل هو مراد لتحقيق هدف الرجل الآخر ـ الزوج السابق ـ في استعادة امرأته.
أمَّا زواج المسيار، فهو زواج مقصود، تفاهم عليه الرجل والمرأة وقصداه، بعد أن تعارفا واتَّفقا.
وهو زواج دائم، ككلِّ زواج يعمد إليه المسلم والمسلمة؛ فالأصل في الزواج هو نيَّة الاستمرار والبقاء.
على أنَّ زواج المحلِّل نفسه فيه خلاف كثير، عند الحنفية وغيرهم، خصوصًا إذا أضمراه في أنفسهما، ولم يُذكر في العقد، حتَّى في داخل المذهب الحنبلي نفسه يوجد خلاف(17)، ولكنِّي مع شيخ الإسلام ابن تيمية في ترجيح تحريمه وسدِّ الباب إليه.
المسيار والتعدُّد:
ويقول بعض المعترضين: ولماذا نلجأ إلى المسيار، وعندنا تعدُّد الزوجات، وقد شرعه الله تعالى لنا بشرطه؟
ونقول لهم: وهل المسيار إلَّا لون من التعدد؟ لا أتصوَّر شابًّا يدخل الحياة الزوجيَّة لأوَّل مرَّة، يدخلها (مسيارًا). ولماذا لا يقيم مع زوجته هذه مستمرًّا، ليلًا ونهارًا، إذا لم تكن له زوجة أخرى، وبيت آخر؟
الواقع أنَّ الَّذي يلجأ إلى هذا الزواج تكون له زوجة أولى، وله بيت مستقرٌّ، وفي الغالب له من زوجته أولاد، وتزوَّج هذه الزوجة الثانية ـ وربَّما تكون الثالثة ـ بهذه الصورة، أو بهذه الطريقة، لحاجته إلى زوجة أخرى، كما يحتاج الرجل إلى الزواج الثاني، لسبب أو لآخر، ويجد المرأة الملائمة له فيتزوجها.
المسيار والكتمان:
ويقول بعض الإخوة: إنَّ الغالب في المسيار هو الكتمان أو السِّرِّيَّة، وهذا يضعف هذا النوع من الزواج؛ إذ الأصل في الزواج الإعلان. وقد قال علماء المالكيَّة: إذا اشترط على الشهود الكتمان، فالزواج باطل.
ونقول: إنَّ الكتمان والسِّرِّيَّة ليست من لوازم زواج المسيار؛ فبعض هذا الزواج يتمتَّع بالتسجيل والتوثيق في المحاكم الشرعيَّة والسجلات الرسميَّة، ويكفي حضور الوليِّ أو إذنه بالزواج، فهذا كافٍ في تحقيق الحدِّ الأدنى للإعلان.
على أنَّ حرص بعض النَّاس على كتمان هذا الزواج عن أهليهم أو غيرهم ـ بعد توافر شروطه ـ لا يجعله باطلًا عند جمهور العلماء.
وما نقل عن المالكيَّة مخصوص بما إذا أوصى الشهود بالكتمان حين العقد. أمَّا إذا وقع الإيصاء بعده فلا يضرُّه؛ لأنَّ العقد وقع بوجهٍ صحيح(18). وكذا إذا دخل بالمرأة وطال مكثه معها عرفًا، فلا يفسخ النكاح بعد ذلك. والمهم عندهم في صحَّة العقد هو: شهادة رجلين عدلين، غير الولي، بل هم لا يشترطون الشاهدين في العقد؛ إلَّا من باب الندب والاستحباب، للخروج من الخلاف.
يقول العلامة الدردير، في كتابه الشهير «الشرح الصغير»: «وندب الإشهاد عند العقد للخروج من الخلاف، إذ كثير من الأئمَّة لا يرى صحته إلّا بالشهادة حال العقد. ونحن نرى وقوعه صحيحًا في نفسه، وإن لم تحصل الشهادة حال العقد كالبيع، ولكن لا تتقرَّر صحته، وتترتب ثمرته، من حل التمتع، إلّا بحصولها قبل البناء (أي الدخول) فجاز أن يعقد فيما بينهما سرًّا، ثمَّ يخبرا به عدلين، كأن يقولا لهما: قد حصل منَّا العقد لفلان على فلانة... إلخ»(19). في حين ذكر الشيخ الدردير هنا: أنَّه يندب إعلان النكاح، أي إظهاره بين الناس، لإبعاد تهمة الزنى، فجعل الإعلان من باب الندب والاستحباب، لا من باب الإلزام والإيجاب.
المهمُّ ألَّا يشترط عند العقد على الشهود الكتمان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الَّذي لا ريب فيه: أنَّ النكاح مع الإعلان يصحُّ، وإن لم يشهد شاهدان، وأمَّا مع الكتمان والإشهاد فهذا ممَّا ينظر فيه، وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان فهذا الَّذي لا نزاع في صحَّته. وإن خلا عن الإشهاد والإعلان، فهو باطل عند العامَّة ـ يعني الجمهور ـ فإن قدر فيه خلاف فهو قليل»(20) اهـ. فانظر كيف وجد الخلاف، حتَّى فيما فقد الإشهاد فيه والإعلان جميعًا! وهذا لحرص فقهائنا على تصحيح عقود النَّاس وتعاملاتهم بقدر الإمكان.
وقد سألتني إحدى الأخوات في حلقة «الشريعة والحياة»: هل يجوز للرجل أن يخفي أمر زواجه من أخرى عن زوجته الأولى؛ وهي شريكة حياته وربَّة بيته؟!
وأقول: إنَّ الرجل في الأعصار الماضية كان يتزوَّج على امرأته جهارًا، من زوجة أخرى، وفق ما شرعه الله تعالى، ولا يكتم ذلك عن امرأته، بل كثيرًا ما كان يشاورها فيمن يتزوَّجها، بل عرفتُ زوجات هنَّ اللاتي خُطبن لأزواجهنَّ الزوجة الثانية.
ولكن في زماننا تغيَّر الحال، نتيجة الاختلاط بالغرب، والتأثُّر بحضارته وثقافته؛ حيث يُقبل تعدُّد الخليلات، ويرفض بعنف تعدد الحليلات، ونتيجة القصف الإعلامي الرهيب؛ المتمثل في أجهزة الإعلام كلها، مقروءة ومسموعة ومرئيَّة، ولا سيَّما المرئية؛ حيث تشنع الأفلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات على التعدُّد، وتبرزه في أسوأ مظهر.
وقد أثَّر ذلك على عقول بناتنا ونسائنا أشدَّ التأثير، بما يشبه غسل الأدمغة من مفاهيم الإسلام وقيمه وأحكامه؛ وأمست المرأة المسلمة ترى الزواج الثاني كأنَّه جريمة منكرة، بل بعضهن يرينه وكأنَّه حكم عليها بالإعدام. وقالت بعضهن: لأن يزني أهون عندي من أن يتزوج أخرى! وشاع المثل القائل: «جنازته ولا جوازته»!
ومن هنا رأى بعض الرجال من باب الإشفاق على امرأته الأولى ألَّا يفجعها بهذا النبأ، ويخفيه عنها ما استطاع، فكتمان ذلك من باب الحرص عليها.
بين الجائز شرعيًّا واللائق اجتماعيًّا:
وفي الختام أودُّ أن أنبِّه على أمر ذي بال، وهو: أنَّ الزواج قد يكون جائزًا من الوجهة الشرعيَّة، ولكنَّه غير مقبول من الناحية الاجتماعيَّة.
فزواج المرأة من سائق سيارتها أو من طباخها مرفوض اجتماعيًّا، ويعرِّض من ترتكبه لسخرية المجتمع، وينزل من قيمتها عنده، ولكن لا يمكننا من الناحية الشرعيَّة أن نقول: إنَّه زواج محرَّم أو باطل.
وكذلك زواج الرجل من خادمته الهنديَّة أو الفلبينيَّة ونحوها، يرفضه المجتمع، ويعتبره غير لائق بمكانته.
أو زواج الشيخ الكبير ابن السِّتِّين من صبيَّة في السابعة عشرة من عمرها.
أو زواج امرأة عجوز من شابٍّ في العشرين من عمره.
إلى غير ذلك من ألوان الزواجات غير المتكافئة، والفروق فيها صارخة، ولهذا ينكرها المجتمع بقوة، ويشتدُّ النكير على من فعلها.
ومع هذا نجدها مستوفية للشروط والمقومات الشرعيَّة، فلا نملك إلَّا إجازتها شرعًا.
على أنَّ اللائق وغير اللائق اجتماعيًّا يختلف من مجتمع إلى آخر، وفي المجتمع الواحد من عصر إلى آخر.
موقف العلماء:
أمَّا موقف العلماء، فقد أشرت في مطلع هذه الكلمة إلى اختلافهم، شأن كل أمر جديد في مضمونه أو في شكله، وإن كنت أرى أنَّ أكثر العلماء يجيزونه ولا يحرمونه.
في أواخر شهر ذي الحجَّة 1418 هـ أواخر شهر أبريل 1998 م انعقدت بالدوحة ندوة «قضايا الزكاة المعاصرة» وشهدها أكثر من عشرين عالمًا؛ من خيرة علماء الأمة وأهل الفقه فيها، وقد أثرنا في إحدى سهراتنا موضوع «زواج المسيار» وكانت الأغلبية العظمى من الحاضرين مؤيدة لهذا الزواج، ولا ترى به بأسًا، وترى فيه حلًّا لبعض المشكلات الاجتماعيَّة بطريق حلال، ولم يخالف في ذلك إلّا اثنان أو ثلاثة، ومع هذا لم أسمعهم قالـوا ببطلان العقد، ولا اعتبروا هذا الزواج كعدمه، وأنَّ من ارتبطوا به قد فعلوا محرَّمًا.
كل ما قالوه: إنَّهم يخشون أن يكون ذريعة إلى مفاسد اجتماعيَّة، فالأَوْلى منعه سدًّا للذريعة.
ومعنى هذا أنَّه مباح في الأصل، ولكن إذا خشي من بعض المباحات أن تؤدي إلى ضرر وفساد؛ فإنَّ منعها مطلوب وجوبًا أو استحبابًا، حسب مظنَّة الضرر، قربًا أو بعدًا، كبرًا أو صغرًا.
وهذا كما طلب سيِّدنا عمر من سيِّدنا حُذَيْفة أن يطلِّق المرأة اليهودية أو المجوسية الَّتي تزوَّجها وهو بالمدائن، فأرسل إليه يقول: أحرام هو يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن أخشى أن يكون في ذلك فتنة على نساء المسلمين.
وفي رواية: أخشى أن تواقعوا المومسات منهنَّ(21)، يعني: ألَّا تتحرَّوا في توافر شرط الإحصان.
ويقول بعض المعترضين: إذا حللتم بهذا الزواج مشكلة العانس الموسرة، فكيف تفعل العانس الفقيرة الَّتي لا مال لها؟
وأقول: إنّ عجزنا عن حلِّ بعض المشكلات لا يجوز أن يكون عائقًا لنا عن حلِّ مشكلات أخرى نجد لها حلًّا. فحل مشكلات البعض أهون من ترك الكل.
فلنحل ما نقدر عليه، ولنسعَ مجتهدين لحلِّ المشكلات الأخرى، ولكلِّ مجتهد نصيب، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى،﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[الطلاق: 2، 3].
ويقول قائلون: ولماذا لا نحلُّ المشكلة من جذورها، ونيسِّر الزواج الشرعي الكامل، ونزيح العوائق من طريق الحلال المشروع: من غلاء المهور، والإسراف في الهدايا والولائم والتأثيث، ورد ذي الدين والخلق لأسباب ما أنزل الله بها من سلطان، إلى غير ذلك ممَّا عسَّر يسر الله؟!
وأقول: هذه يدي في أيديكم لنعمل جميعًا، من أهل الرأي وأهل التنفيذ. وقد صار لي أكثر من ثلاثين سنة، وأنا أنادي بذلك في دروسي وخطبي، ومحاضراتي ومقالاتي، في المساجد والإذاعة، والتلفاز والصحف.. ولكنَّ التقاليد الراسخة لا تزول بسهولة. على أنَّا لو حللنا مشكلة العوانس، وهيهات هيهات، فستبقى مشكلة الأرامل والمطلقات.
فإذا وجدنَ في هذا الزواج حلًّا لمشكلتهن مع بعض الرجال الطيبين ـ ولا تخلو الأرض منهم ـ وتراضوا بينهم بالمعروف، فلماذا نسدُّ بابًا فتحه الشرع بالحلال، لنفتح أبوابًا للحرام في عصر تيسَّرت فيه أسباب الحرام والمغريات به؟ ليكن عملنا هنا الترشيد والتسديد، بدل المنع والتشديد. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
← العودة لقسم 1- الزواج