2026-06-15
41
حقُّ الأم وإن قست على ولدها
أنا فتاة، كانت لي أم، تركتني لأبي، وكان عمري خمسة أشهر فقط، وربَّتني عمتي أخت أبي، وعمري الآن أربعة عشر عامًا، وسمعت عن حقوق الوالدين، وأنَّ الجنَّة تحت أقدام الأمهات. فهل يغضب الله عليَّ ما دامت هي ـ أي أمي ـ لا تريدني؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
للأم فضل عظيم، وللوالدين بصفة عامة، وقد أكَّد الله لك الوصيَّة بهما في كتابه، وجعل ذلك من أصول البر، الَّتي اتفقت عليها الأديان جميعًا، فوصف الله يحيى بقوله: ﴿وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا﴾ [مريم: 14]، وكذلك وصف عيسى على لسانه في المهد: ﴿وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا﴾ [مريم: 32]، وكذلك جاء القرآن فجعل الأمر ببر الوالدين بعد عبادة الله وحده، بعد التوحيد: ﴿وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا﴾ [النساء: 36]، ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14]، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا﴾ [الإسراء: 23] وبخاصَّة الأم، فهي الَّتي حملت الإنسان كرها ووضعته كرهًا، وتعبت في حمله، وتعبت في وضعه، وتعبت في إرضاعه، ولذلك وصَّى النبي بها ثلاث مرات، وبالأب مرَّة واحدة. فحتى هذه الأم الَّتي لم ترحم طفلتها، والَّتي تركتها منذ صغرها، حتَّى هذه لها حق.. حق الأمومة، فالأم هي الأم، ولن يصير الدم ماءً؛ كما يقول الناس!
والقرآن جعل للوالدين المشركين حقًّا، قالت أسماء بنت أبي بكر للنبيِّ ﷺ : إنَّ أُمِّي زارتني وهي مشركة، أفأصلها؟ فنزل قول الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8]. وقال تعالى في سورة لقمان، في الوالدين اللذين يجاهدان، ويحاولان كل المحاولة لتكفير ولدهما، وجعله مشركًا بدل كونه مؤمنًا، يقول الله 8 : ﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾[لقمان: 15]. حتَّى مع محاولة التكفير والصدِّ عن طريق الله، وعن الإيمان، مع هذا يقول:﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولكن﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
فهذا ما جاء به الإسلام، أن يكون الإنسان بارًّا بأبويه، وإن جارا عليه، وإن ظلماه، وإن جفواه. وهذا هو شأن مكارم الأخلاق: أن تصل من قطعك، وتبذل لمن منعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك. هذا في النَّاس عامة، فكيف في ذوي الأرحام؟ فكيف بالوالدين؟ فكيف بالأم الَّتي جعل الله الجنَّة تحت أقدامها؟
إنَّنا نوصي الأخت السائلة.. نوصيها أن تبرَّ أمَّها، وأن تكون ذات فضل وإحسان، ولا تتبع الوساوس، فلعل الله يصل ما انقطع من حبال المودة، والأم هي الأم على كلِّ حال.
ولعل هذه الأم كانت لها ظروف خاصَّة لا تدركها السائلة الآن، وربَّما تدركها في المستقبل. وعاطفة الأمومة لا تحتاج إلى تقرير ولا إلى وصية.. والإسلام حين وصَّى؛ إنَّما وصَّى الأولاد بوالديهم، ولم يوصِ الآباء ولا الأمهات؛ لأنَّهم ليسوا في حاجة إلى وصية، وخاصَّة الأم فإنَّ قلبها مطبوع بالحنان، فإذا خرجت أمٌّ ما عن هذا الأمر، فلا بدَّ أن يكون هناك فعلًا من البواعث والدواعي العنيفة: ما جعلتها تسلك هذا السلوك الشاذ.. ولعلَّ الفتاة حين تشب عن الطوق، تدرك الظروف الَّتي جعلت أمها تسلك هذا السلوك الغريب.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الهبة (2620)، ومسلم في الزكاة (1003).