حكم الحلف بالطلاق

❓ حكم الحلف بالطلاق

📅 2026-06-15 👁 37 مشاهدة

نص السؤال:

منذ عشرين سنة كنتُ عاقدًا على زوجتي الحالية، ولم أكن قد دخلتُ بها، وأقسمت على جماعة من الأصدقاء أن يركبوا معي السيارة، فرفضوا، فقلتُ لهم: عليَّ الطلاق إلَّا ركبتم معي. ولكنَّهم أيضًا لم يركبوا، فما هو الحكم في قولي هذا؟ وهل يقع طلاقًا أو يمينًا؟ وماذا عليَّ أن أفعل؟(1)
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يمينًا يحلف به على فعل هذا أو ترك ذاك، فإنَّ لليمين في الإسلام صيغةً خاصَّة، لم يأذن في غيرها، وهي الحلف بالله تعالى؛ قال رسول الله : «من حلف بغير اللهِ فقد أشرك»(2). وقال: «من كان حالفًا، فليحلفْ بالله أو لِيَصْمُتْ»(3).
إنَّما جعل الطلاق علاجًا للأسرة حين تتفكك الروابط بين الزوجين، ولا يجدي وعظ ولا هجر ولا تأديب، ولا تدخُّل الحَكَمَيْن في إصلاح ما بين رجل الأسرة وامرأته، حين ذلك يلجأ الرجل إلى الطلاق باعتباره الوسيلة الأخيرة، أو آخر العلاج، فإن لم يكن وفاق ففراق،﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا[النساء: 130].
وقد اختلف الفقهاء من السلف في ذلك، وأكثر الفقهاء وخاصَّة الأئمَّة الأربعة يرون وقوع الطلاق بمثل هذا، ويرون وقوع الطلاق بالحلف، وبمثل هذه الألفاظ، وعلى هذا الرأي تكون امرأتك في هذه الحالة قد طلقت قبل الدخول، والطلاق قبل الدخول طلاق بائن، ولا عدة عليها، وكان يجب عليك على رأيهم أن تعقد عليها عقدًا من جديد بمهر جديد، هذا هو المشهور في المذاهب، وخاصَّة عند المتأخرين.
وبعض الأئمَّة يقولون: إنَّ الطلاق بمثل هذا لا يقع، لأنَّ الله لم يشرع الطلاق بمثل هذه الألفاظ، ولم يشرع الطلاق بمثل هذه الأيمان، فإذا كان الطلاق يُراد منه الحمل على شيء أو المنع من شيء، فقد خرج عن قصد الطلاق، وعن طبيعة الطلاق، وصار يمينًا، فاليمين بالطلاق يرى بعض الأئمَّة أنَّه لا يقع أبدًا، ولا شيء فيه لا طلاق ولا كفارة. وبعض من رأى هذا الرأي كالإمام ابن تيمية(4)، والإمام ابن حزم الأندلسي(5)، يرون أنَّ فيه كفارة يمين إذا وقع، أي أنَّه بمثل هذه الحالة ناب الطلاق عن القسم بالله 8 ، فإذا وقع ما حلف عليه فعليه كفارة يمين، وذكر ابن القيِّم(6) أنَّه مذهب خلق من السلف والخلف، وبه أخذت قوانين الأحوال الشخصية في كثير من الدول، كما جاء في المادة الثانية من القانون المصري المعدل رقم 100 لسنة 1985م أنَّه لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير. وورد في مذكرته الإيضاحية: أنَّ المشرِّع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية، والمالكيَّة، والشافعية، وأنَّه أخذ في إلغاء المعلَّق الَّذي في معنى اليمين برأي علي بن أبي طالب 3 ، وشريح القاضي، وداود الظاهري وأصحابه.
وهو ما نفتي به، فنقول للأخ السائل: عليك الآن كفارة يمين، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، من أوسط ما تطعم أنت وأهلك، أو إخراج قيمة ذلك على مذهب الإمام أبي حنيفة، وأقل مقدار لإطعام المسكين الواحد خمسة وعشرون ريالًا، ويختلف باختلاف مقدار غنى المكفِّر، كلٌّ حسب قدرته، فأقول للسائل عليه أن يخرج للمساكين مبلغًا أقله مائتان وخمسون ريالًا، ويتوب إلى الله تعالى من هذا الأمر، فإن كان فقيرًا لا يستطيع الإطعام، فليصم ثلاثة أيام، لقوله تعالى:﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[المائدة: 89].
← العودة لقسم 3- الطلاق