2026-06-22
121
هل استخدام الواقي الذكري يمنع الزِّنَى
ما حكم الواقي الذكري للرجال؟ وهل يمنع هذا العازل وقوع جريمة الزِّنَى الشرعي، حيث تنتفي الملامسة المباشرة بين الأعضاء، كما أنَّه لا يوجد إنزال للمني داخل الرحم، ولا تختلط الأنساب؟ نرجو بيان ذلك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الزِّنَى هو إيلاج الذكر في الفرج، فإذا أولج الرجل ذكره في فرج امرأة محرَّمة عليه فهذا هو الزنى، سواء كان بعازل أم بدون عازل، أنزل أو لم ينزل، وهذا باتِّفاق أهل العلم، يجب الحدُّ على فاعله.
وليست علة تحريم الزِّنَى مقصورة على اختلاط الأنساب، فهي ليست العلة الوحيدة، ولا العلة الجامعة المانعة؛ لأنَّها لو كانت العلة الوحيدة الجامعة المانعة لجاز للرجل أن يزني بالمرأة العاقر الَّتي لا تحمل، ولجاز زنى الرجل العقيم الَّذي لا يولد له، فلا خوف من اختلاط الأنساب، ولجاز الزِّنَى بالمرأة الحامل، أو بالمرأة الَّتي يئست من المحيض، أو بالصغيرة الَّتي لم تحض. الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا﴾ [الإسراء: 32]. جعل العلة أنَّه فاحشة ـ والفاحشة: هي كل ما يشتد قبحه من الذنوب ـ وأنَّ عاقبته وخيمة، فكون الرجل يهتك حرمة امرأة ليست زوجته هذا هو الزِّنَى، سواء ترتب عليه حمل أم لم يترتَّب، وسواء أكان من ورائه اختلاط أنساب أم لم يكن، فاختلاط الأنساب علة من علل تحريم الزنى؛ لكنَّها ليست العلة الوحيدة، ولا العلة الجامعة المانعة.
علة تحريم الزِّنَى:
وتحريم الزِّنَى له علل كثيرة، منها: أنَّ الإنسان يجب أن يصون شهوته، فلا يستمتع بهذه الشهوة إلَّا مع زوجته أو ما ملكت يمينه، كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين المفلحين:﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾[المؤمنون: 5 ـ 7].
فلا يطيع الإنسان شهوته فيكون عبدًا لها، فاتباع الشهوات هو الَّذي ضيَّع الأمم ودمَّرها، وأصابها بالانحلال، ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾[مريم: 59]، فكم من الطاقات ضاعت، وكم من المحارم انتهكت، وكم من العقول تاهت، في سبيل الإباحية واتباع الشهوات.
والآن نحن نعلم ما أصاب المجتمع الغربي من وراء هذه الإباحية والانحلال، من تفكُّك أسري ومجتمعي، ومن تبديد طاقات الشباب، ومن.. ومن... إلخ. وما الإيدز وغيره من الأمراض إلَّا نتيجة استباحة الأعراض، وأنَّ الإنسان يستبيح ما ليس من حقه.
والإسلام لا يحرِّم تصريف الطاقة الجنسيَّة في الحلال، ولا ينظر إليها نظرة استقذار، لكن المهم أن تكون هذه الطاقة الجنسيَّة في نطاق عقد مشروع، وهو عقد النكاح، فقد دعا الإسلام للزواج، وجعله آية من آياته، قال تعالى: ﴿وَمِن ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الروم: 21]، وقال رسول الله ﷺ : «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّجْ»(1). بل جعل الإسلام تصريف الشهوة في الحلال من القربات إلى الله تعالى، قال ﷺ : «وفي بُضْع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسولَ الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتُم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(2).
وعلى أساس عقد الزواج يتكوَّن البيت المسلم، والأسرة المسلمة، وتكون هناك المسؤولية، حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، هذا هو الَّذي يريده الإسلام، لا يريد للإنسان أن يكون عبدًا لشهوته، يصرفها متى شاء وكيف شاء، لا، فإنَّ هذا هو الفساد.
(1) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (5065)، ومسلم (1400)، كلاهما في النكاح، عن ابن مسعود.
(2) رواه مسلم في الزكاة (1006)، وأحمد (21473)، عن أبي ذر الغفاري.